الصفحة 33 من 33

إن التأويل في فهم الحديث النبوي وظف في جهتين: الأولى في التوفيق بين الحديث ونصوص أخرى، وكشفت هذه الجهة عن ظاهرة غير طبيعية في تعارض الأدلة، حاول التأويل في الجمع بينها، ولكنه كان في الغالب تعسفيا، ولازمه مذهب برد الحديث لعدم صحة الحديث.

إن في جميع الأمثلة التي ذكرناها لم يعرض التأويل على أنه المعنى الحقيقي لظاهر النص، وإنما مجرد احتمال يتبعه احتمال آخر، مع افتقاره لدليل قوي، مما جعله تأويلا ضعيفا.

إن بعض التأويلات جاءت للعدول عن الحديث كاملا لا عن ظاهره، قال الشاطبي:"من العلماء من تأول الأحاديث _ الصوم عن الميت _على وجه يوجب ترك اعتبارها مطلقا"، وكانت طريقة مهذبه في الحفاظ على قبول الحديث شكلا، ورده ضمنا.

إن التمسك بقواطع القرآن ومقاصد الشريعة أمام بعض الأحاديث المشكلة، وجعله ضابطا في قبول الحديث ورده، كما نص الشاطبي على ذلك [1] ، أولى من نصب خبر ظني أمام نص أو دليل قطعي، ثم اللجوء إلى الاحتمالات والتأويلات للجمع بينهما، والأصل عدم الاختلاف في الشريعة، وقد ظهر واضحا اتفاق جمهور الفقهاء في اعتراضهم على بعض الأخبار لمخالفتها الأصول، وكان جوابهم إما أنه غير محفوظ أو تأويله تأويلا بعيدا لقناعته بصحته.

ولكن هذا لا يقلل من أهمية التأويل وضرورته في فهم الحديث عند عدم التعارض، وهي الوجهة الثانية في توظيف التأويل، فلا معنى للتمسك بحرفية النص إذا كان المراد منه حكما معللا، وجاء ما يؤكد ذلك الحكم بوسيلة أو دليل غير ما نص عليه الحديث يصيب مراد الشارع.

إذا كانت أحكام الله معللة برعاية مصالح العباد، فإن هذه القاعدة تدعونا إلى مراعاة البعد الزماني ومعطيات هذا العصر من علوم ومكتشفات؛ لفهم حديث النبي - صلى الله عليه وسلم - فهما مقاصديا يليق بهذه الشريعة الغراء التي تتألق كلما تطور العلم، ويكون مدار تجديد الفقه الإسلامي.

(1) الموافقات: 3/ 18 - 19.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت