إن التمسك برأي بعض الفقهاء المتقدمين برفضهم الحساب الفلكي وتمسكهم بالرؤية، دون ربطه بزمانهم ومعطياتهم العلمية ظلم لهم، قال ابن حجر:"المراد بالحساب هنا حساب النجوم وتسييرها، ولم يكونوا يعرفون من ذلك إلا النزر اليسير، فعلق الحكم بالصوم بالرؤية لرفع الحرج عنهم" [1] .
والحق هنا مع ابن حجر في رفضه الحساب الفلكي لكونه أبعد عن العلم، واعتبر تعليق الصوم بالرؤية رخصة لرفع الحرج عن الأمة، علما أن ابن دقيق وقد سبق ابن حجر بقرون، عاتب بعض علماء المالكية والشافعية، أخذهم بالحساب على الإطلاق اعتمادا على المنجمين _ أي علماء الفلك _.
ومع ذلك فإن ابن دقيق العيد كان منسجما مع عصره في هذا الحكم، واستدل بعلماء الفلك في عصره، فإنهم يرون أنه لا يجوز أن يعتمد على الحساب في الصوم لمفارقة القمر للشمس، من تقدم الشهر بالحساب على الشهر بالرؤية بيوم أو يومين، فهذه العلة التي منعت ابن دقيق العيد الاعتماد كليا على الحساب.
ولكن أوجب الأخذ به إذا دل الحساب على أن الهلال قد طلع من الأفق على وجه يرى لولا وجود المانع كالغيم مثلا فهذا يقتضي الوجوب لوجود السبب الشرعي، وهو [2] .
إن هذه الرؤية لفهم الحديث مقاصديا؛ هو ما نادى به كثير من علماء عصرنا، مرجحين ما وصل إليه العلم من تقدم وتقنية، وصل إلى حد القطع واليقين [3] ، منادين بوحدة الأمة بشعائرها وعباداتها المتصلة بأخص أمور دينها من صيام وفطر، علما أن التمسك برؤية الواحد والاثنين والخطأ والوهم جائز بحقهما بلا شك، يزيد الأمة اختلافا شديدا وتفرقا [4] .
إن تفعيل التأويل المقاصدي المعلل ينسجم مع مبادئ الشريعة، ويعطي إضافة لها، ومحله في الأحكام والفروع دون الأصول، ويكون مدارَ تجديد الفقه الإسلامي [5] ، بخلاف التأويل التعارضي الذي كشف عن خلل في مقومات وشروط التأويل، وقد يكون منشأ الخلل فرض التأويل على أدلة متعارضة لا يجمع بينها، وإنما هي من باب راجح ومرجوح.
(1) فتح الباري: 4/ 127.
(2) شرح عمدة الأحكام: 2/ 154.
(3) ينظر: المدخل لدراسة السنة النبوية، يوسف القرضاوي: 183، وينظر: ثبوت الشهر القمري بين الحديث النبوي والعلم الحديث، شرف القضاة، موقع ملتقى أهل الحديث، منتدى الدراسات الحديثية، وقد أسهب الدكتور في إثبات قطعية الحساب الفلكي من خلال القرآن والعلم الحديث.
(4) ينظر: العقل والفقه في فهم الحديث النبوي، مصطفى الزرقا: 71 - 97.
(5) والأمثلة كثيرة في هذا المقام، من ذلك حديث أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ مرفوعا:"لَا تُسَافِرْ امْرَأَةٌ فَوْقَ ثَلَاثِ لَيَالٍ إِلَّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ"رواه الشيخان، إن الفهم المقاصدي يدل على أن العلة وراء هذا النهي هو الخوف على المرأة من سفرها وحدها بلا محرم، وكان في زمن السفرُ فيه على الجمال والبغال، وفي بيئة صحراوية موحشة خالية من العمران والأحياء، فلا يخلو سفرها من شر في نفسها أو سمعتها، فإذا تغير الحال _ كما في عصرنا _ وأصبح السفر في طائرة أو قطار مزدحم بالركاب، لم يعد هناك خوف على المرأة إذا سافرت وحدها، فلا حرج عليها شرعا ولا يعد هذا مخالفة للحديث، وقد أجاز بعض الفقهاء سفر المرأة من غير محرم مع نسوة ثقات للحج، وقد ثبت في الصحيح أن عائشة وطائفة من أمهات المؤمنين حججن من غير محارم. ينظر: المدخل لدراسة السنة النبوية: للقرضاوي: 163 - 164 نقل بتصرف.