إن البصمة الوراثية، أو ما يسمى ببصمة < DNA > قد بلغت دقتها أن تميز أشلاء الناس عن بعضها البعض وتجمع أشلاء كل شخص لوحده، وهي تحقق مقصد الشارع في نسبة الولد لأبيه الحقيقي [1] .
فإذا ادعى أحد بنوة ولد ليس على فراشه، أو اتهم زوج زوجته بأن ما ولدته ليس ابنه، أو ادعت امرأة أن ولدها من الزنا من ماء فلان، فإن البصمة الوراثية تبين صحة دعوى هؤلاء أو عدمها بالقطع واليقين.
وبناء على ذلك قد نتساءل هل يثبت نسب الولد للفراش إذا أثبت العلم أنه ليس بابنه، وقد أقر آخر أنه من مائه؟، وإذا ألحق الولد بصاحب الفراش فهل يكون نوعا من التبني؟، مع ملاحظة أنه في حال عدم التنازع لا يمكن إلزام الزوج بأبناء ليسوا من صلبه على أنهم أولاده من الفراش، وذلك قياسا على الزوج الصغير أو العقيم، قال الغزالي:"فإذا انسدت ثقبة المنى انتفى الولد من غير لعان لأنه يستحيل الإنزال" [2] .
وقد حاول الدكتور القرضاوي تفعيل البصمة الوراثية، فأجاز الاحتكام إلى البصمة الوراثية إذا طلبت الزوجة المقذوفة ذلك، مخالفا رأي جمهور الفقهاء كما ذكر ذلك، ويعتبره القرضاوي حق للزوجة دون الزوج، ولا يجاب لطلب الزوج في ذلك، لأنه يفوت على المرأة ما يوفره لها اللعان من الستر عليها وعلى ولدها، وهذا الستر مقصود للشارع لما فيه من مصلحتها ومصلحة ولدها [3] .
المثال الثاني: عن أبي هريرة:"صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته، فإن غمي عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين" [4] ، وفي رواية لابن عمر"فإن غم عليكم فاقدروا له" [5] ، وعنه أيضا عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال:"إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب الشهر هكذا وهكذا يعني مرة تسعة وعشرين ومرة ثلاثين" [6] .
إن دور المقاصد هنا الغوص في عمق الحديث، ومراعاة البعد الزماني، ثم فهمه فهما يليق بالشريعة الغراء، وبالأمة الإسلامية في هذا القرن، لربط الوسيلة بالنص والحكم، لا أن تكون مقصدا وغاية.
إن الوقوف على ظاهر الحديث، والتمسك بالرؤية البصرية، وأننا متعبدون بها، احتمال قائم على التمسك بظواهر النصوص دون الوقوف على مقصد الشارع ومراده.
فلو سألنا ما هو الهدف من رؤية الهلال، وهل هو وسيلة أم غاية؟، لكان الجواب أن الرؤية وسيلة نهدف منها صيام شهر رمضان كاملا دون زيادة أو نقصان {فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمْ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} {البقرة:185} ، فإذا كان كذلك فما المانع من الأخذ بوسيلة تحقق مراد الشارع في عبادة كاملة، يندر فيها الخطأ أو أشبه بالمعدوم.
(1) ينظر: قضايا البيولوجيا ومقاصد الشريعة، مصدق حسن: 160 - 162.
(2) ذكره المصنف في المجموع: 17/ 400.
(3) موقع الدكتور يوسف القرضاوي، نافذة فتاوى وأحكام، مقال: إثبات النسب بالبصمة الوراثية حق للمرأة لا للرجل.
(4) رواه البخاري واللفظ له وقد رواه أيضا عن ابن عمر، كتاب الصوم، باب قول النبي - صلى الله عليه وسلم -"إذا رأيتم الهلال فصوموا ..": 2/ 674، ومسلم، كتاب الصيام، باب وجوب صوم رمضان ..:2/ 762.
(5) البخاري، كتاب الصوم، باب هل يقال رمضان أو شهر رمضان: 2/ 672، ومسلم، نفس الباب: 2/ 759.
(6) البخاري، كتاب الصوم، باب قول النبي - صلى الله عليه وسلم -"لا نكتب ولا نحسب": 2/ 675، ومسلم، نفس الباب: 2/ 761.