الصفحة 30 من 33

ومن الأجوبة ما ذكره ابن القيم بعد أن جعل أحد الاحتمالين هو أنه من باب الورع والاحتياط [1] ، فقد اتجه اتجاها آخر، إذ اعتبر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قد أعمل الدليلين، فالفراش دليل لحوق النسب، والشبه بغير صاحبه دليل نفيه فأعمل أمر الفراش بالنسبة إلى المدعي وأعمل الشبه بعتبة بالنسبة إلى ثبوت المحرمية بينه وبين سودة، وقد انتصر لهذا الرأي، واستدل بذلك على تبعيض أحكام النسب [2] .

ومنها ما حرره ابن العربي فقد رأى أن ابن زمعة قد ادعى أمرين: أحدها الأخوة، والثاني ولادة الفراش فأثبت له النبي - صلى الله عليه وسلم - ولادة الفراش ولم يثبت له النسب، فلو قال له النبي - صلى الله عليه وسلم - هو أخوك الولد للفراش لكان إثباتا للحكم ونفيا للعلة، بَيدَ أن النبي - صلى الله عليه وسلم - عدل عن الأخوة، ولم يتعرض لها، وأعرض عن النسب ولم يصرح به، وإنما قال هو لك معناه وأنت أعلم به [3] .

وقريب من ذلك ما ذكره الشوكاني أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يثبت البنوة وإنما أثبت الملك أي أن ابن زمعة ورثه من فراش أبيه بدليل قوله هو"لك يا عبد"واللام للتمليك، ولو كان أخا لها لم تؤمر بالاحتجاب منه [4] .

إن دلالة ألفاظ الحديث وما ذكرته من تأويلات، واحتجاب سودة من ولد فراش أبيها، ترجح أن الفراش لم يوظفه النبي - صلى الله عليه وسلم - بصفته الشرعية، وإنما قرينة راجحة على قرينة القافة. فاعتذارهم أن احتجابها من باب الاحتياط أو تجزئة النسب، يشعر بأن الفراش لم يرتقِ إلى حقيقة شرعية توجب آثارها.

قال النووي:"الولد للفراش"دليل على أن الشبه وحكم القافة إنما يعتمد إذا لم يكن هناك أقوى منه كالفراش" [5] ."

إن من أقوى الأدلة على أن الفراش قد لا يثبت به النسب حتى في محل النزاع، هو ما جاء في حديث المتلاعنين، فقد لاعنت زوجها وهي حامل وعلى فراشه، ومع ذلك فقد فرق النبي - صلى الله عليه وسلم - بينهما، وقد حلفت أنها لم تخنه، فروى البخاري:"ففارقها فكانت سنة أن يفرق بين المتلاعنين وكانت حاملا فأنكر حملها وكان ابنها يدعى إليها ثم جرت السنة في الميراث أن يرثها وترث منه ما فرض الله له"وعند مسلم"ففرق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بينهما وألحق الولد بأمه" [6] .

فإذا كان الفراش قرينة قوية للحوق الولد بمدعيه، فهل يمكن فهم الحديث فهما مقاصديا، يعدل به عن ظاهر الحديث، فنأخذ بقرينة أخرى أقوى من الفراش والقافة تحقق مقصد الشارع في حفظ النسب.

إن مقاصد الشارع متشوقة لحفظ الأنساب واتصالها والمحافظة عليها، وحمايتها من العبث بها، فقد حرم الله عز وجل الزنا وحرم التبني، وألحق كل بنسبه الحقيقي {ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ} {الأحزاب:5} فهل نستعين بالعلم الحديث الذي جاء بقرينة لا تقبل الشك بلغت مبلغ اليقين، في معرفة نسبة الولد لأبيه، وهل نحكّمها هنا في مقام القضاء أو عند التنازع؟.

(1) ينظر: حاشية ابن القيم على سنن أبي داود: 6/ 261.

(2) ينظر: الشوكاني، م س: 7/ 78.

(3) ينظر: القبس، لابن العربي: 3/ 917.

(4) ينظر: الشوكاني، نيل الأوطار: 7/ 77.

(5) ينظر: النووي، شرح مسلم: 10/ 39.

(6) ينظر: البخاري، كتاب المتلاعنين، باب {وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَيْهِ} :4/ 1772، ومسلم، كتاب اللعان،2/ 1132.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت