اللفظ لهذا المعنى، أو على مستوى الدليل الذي رجح هذا المعنى، إضافة إلى الاجتهادية التي تختلف من عالم لآخر، لذلك نبه الغزالي على أمر هام فقال:"ومهما كان الاحتمال قريبا وكان الدليل أيضا قريبا، وجب على المجتهد الترجيح والمصير إلى ما يغلب على ظنه، فليس كل تأويل مقبولا بوسيلة كل دليل بل ذلك يختلف ولا يدخل تحت ضبط" [1] .
_ التأويل الصحيح والباطل: إن تعقيب الآمدي وتقسيمه التأويل إلى صحيح وباطل، هو جوهر البحث، والنكتة التي ستكون محل إثارة وجدل فيما قدمه المتقدمون من تأويلات لكثير من ظواهر النصوص [2] ومدى التسليم بها، وأثرها على الحركة الفكرية والفقهية عند المعاصرين.
وقال ابن القيم:"فالتأويل الذي يوافق ما دلت عليه النصوص وجاءت به السنة ويطابقها هو التأويل الصحيح والتأويل الذي يخالف ما دلت عليه النصوص وجاءت به السنة هو التأويل الفاسد" [3] .
_ التأويل القريب والبعيد: إلا أن تقسيم التأويل إلى صحيح وباطل لا يمنع تقسيمه أيضا إلى تأويل قريب وبعيد حسب الاحتمال وهذا ما قرره الغزالي، فالقريب ما كان الاحتمال فيه قريبا، وإن لم يكن بالغا بالقوة، أما البعيد ما افتقر الاحتمال فيه إلى دليل قوي يَجبرُ بُعدَهُ حتى يكون ركوبُ ذلك الاحتمال البعيد أغلبَ على الظن من مخالفة ذلك الدليل [4] .
فحصيلة كلامه أن ليس كل تأويل بعيد هو غير صحيح، بل يرى أن التأويل البعيد يستوي مع القريب في العقليات، لأنه يمكن أن يكون مرادا باللفظ بوجه ما، لذلك نبه إلى أنه لا يجوز التمسك بالعقليات إلا بالنص _ أي مقابل الظاهر _ وهو الذي لا يتطرق إليه احتمال قريب ولا بعيد. [5]
إذن يبدو واضحا من خلال كلام الغزالي أن مبرر أخذه بالتأويل البعيد عدم مخالفة الدليل، وأوضح ذلك من خلال ذكره مثالا يصب في جوهر بحثنا، وغرضه التوفيق بين نصي حديثين متعارضين، الأول عن ابن عباس"إنَّمَا الرِّبَا فِي النَّسِيئَةِ" [6] ، أما الثاني"لَا تَبِيعُوا الْبُرَّ بِالْبُرِّ إلَّا سَوَاءً بِسَوَاءٍ" [7] ، فحمل الحديث الأول على أن المراد منه مختلفي الجنس، ثم يقول:"ولا ينقدح هذا التخصيص إلا بتقدير واقعة وسؤال عن مختلفي الجنس"
(1) المستصفى: 1/ 494.
(2) فرق الغزالي بين كلمة نص وظاهر النص، فالنص هو ما لا يتطرق إليه احتمال أصلا لا على قرب ولا على بعد، أما الظاهر هو اللفظ الذي يغلب على الظن فهم معنى منه من غير قطع. ينظر: المستصفى: 1/ 492.
(3) الصواعق المرسلة، لابن القيم: 1/ 187.
(4) المستصفى:1/ 493. نقل بتصرف. وقد ذكر الغزالي أن دليل التأويل البعيد قد يكون قرينة أو قياسا أو ظاهرا آخر أقوى منه
(5) ينظر: المستصفى: 1/ 494.
(6) صحيح البخاري: كتاب البيوع، باب بيع الدينار بالدينار نساء: 7/ 401، صحيح مسلم، كتاب البيوع، باب بيع الطعام مثلا بمثل: 8/ 283
(7) صحيح البخاري: كتاب البيوع، باب بيع التمر بالتمر: 7/ 389، صحيح مسلم: كتاب البيوع، باب الصرف وبيع الذهب بالورق نقدا: 8/ 261.