ولكن يجوز تقدير مثل هذه القرينة إذا اعتضد بنص، وقوله عليه الصلاة والسلام نص في إثبات ربا الفضل وقوله حصر للربا في النسيئة ونفي لربا الفضل، فالجمع بالتأويل البعيد الذي ذكرناه أولى من مخالفة النص" [1] "
ويفهم من كلامه أن حديث"إنما الربا في النسيئة"جاء جوابا لسؤال يتعلق بمختلفي الجنس _ مثلا السؤال عن بيع الذهب بالفضة دون تقابض _، والقرينة أو الدليل على هذا التقدير هو النص الواضح في الحديث الثاني الذي يثبت ربا آخر وهو ربا الفضل، وهذا برأيه أولى من مخالفة الحديث الأول أو ترك الحديث الثاني.
ولكن قد يُستدرك على الغزالي في هذا المثال ما ورد في سياق الحديث، وأن هذا التأويل البعيد فعلا كان بعيدا جدا عن الصحابة والتابعين، فالبخاري يروي بسنده عن عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ أَنَّ أَبَا صَالِحٍ الزَّيَّاتَ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيّ - رضي الله عنه - يَقُولُ: الدِّينَارُ بِالدِّينَارِ وَالدِّرْهَمُ بِالدِّرْهَمِ، فَقُلْتُ لَهُ فَإِنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ - رضي الله عنه - لَا يَقُولُهُ، فَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ سَأَلْتُهُ فَقُلْتُ سَمِعْتَهُ مِنْ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - أَوْ وَجَدْتَهُ فِي كِتَابِ اللَّهِ؟ قَالَ: كُلَّ ذَلِكَ لَا، أَقُولُ وَأَنْتُمْ أَعْلَمُ بِرَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - مِنِّي، وَلَكِنْ أَخْبَرَنِي أُسَامَةُ أَنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ لَا رِبًا إِلَّا فِي النَّسِيئَةِ [2] .
يظهر من ذلك أن حديث ابن عباس جاء جوابا لرد ربا الفضل ونفيه، وإلا ما اعترض أبو سعيد عليه، فلو كان التأويل البعيد الذي ذكره الغزالي معتبرا وراجحا، كان الأولى أن يكون حاضرا عند فقهاء الصحابة، وخصوا حديث ربا النسيئة بحديث ربا الفضل، بدل أن يضعوا الحديثين محل تعارض واختلاف [3] .
ربما لصعوبة هذا التأويل وبعده ذكر ابن حجر عدة طروحات للتوفيق بين الحديثين، منها: النسخ وقد استبعده لأنه احتمال وليس له دليل، ومنها قَوْلهِ"لَا رِبًا"الرِّبَا الْأَغْلَظ الشَّدِيد التَّحْرِيم الْمُتَوَعَّد عَلَيْهِ بِالْعِقَابِ الشَّدِيدِ كَمَا تَقُولُ الْعَرَب لَا عَالِمَ فِي الْبَلَدِ إِلَّا زَيْدٌ مَعَ أَنَّ فِيهَا عُلَمَاء غَيْرَهُ، وَإِنَّمَا الْقَصْدُ نَفْيُ الْأَكْمَل لَا نَفْيُ الْأَصْلِ، ومنها: وَأَيْضًا فَنَفْيُ تَحْرِيم رِبَا الْفَضْل مِنْ حَدِيثِ أُسَامَةَ إِنَّمَا هُوَ بِالْمَفْهُومِ، فَيُقَدَّمُ عَلَيْهِ حَدِيث أَبِي سَعِيد لِأَنَّ دَلَالَتَهُ بِالْمَنْطُوقِ، وَيُحْمَلُ حَدِيث أُسَامَةَ عَلَى الرِّبَا الْأَكْبَرِ كَمَا تَقَدَّمَ وَاللَّه أَعْلَمُ [4] .
إن طرح الغزالي في قبول التأويل البعيد، مع هذا المثال الذي قاد إلى هذا التأويل، وكان منشأه التعارض يشير إلى نقطة هامة والتي أثارت عنوان البحث، وهي علاقة التأويل بتعارض الأدلة، وإلى أي مدى أثر التعارض على وظيفة التأويل، ليشكل ذلك تراكما مهيبا ومسلما به في تراثنا الإسلامي كظاهرة طبيعية.
(1) المستصفى: 1/ 494. قد يكون مصدر تأويل الغزالي ما نص عليه الطبري حسب ما نقله عنه ابن حجر قال:"وَقَالَ الطَّبَرِيّ: مَعْنَى حَدِيث أُسَامَة"لَا رِبًا إِلَّا فِي النَّسِيئَةِ"إِذَا اِخْتَلَفَتْ أَنْوَاع الْبَيْعِ وَالْفَضْل فِيهِ يَدًا بِيَد رِبًا جَمْعًا بَيْنَهُ وَبَيْن حَدِيث أَبِي سَعِيد". فتح الباري: 7/ 6.
(2) صحيح البخاري: كتاب البيوع، باب بيع الدينار بالدينار نساء: 7/ 401.
(3) روى مسلم في كتاب البيوع، باب بيع الطعام مثلا بمثل: 8/ 280 عَنْ أَبِي نَضْرَةَ قَالَ: سَأَلْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ عَنْ الصَّرْفِ فَقَالَ أَيَدًا بِيَدٍ قُلْتُ نَعَمْ قَالَ فَلَا بَأْسَ بِهِ فَأَخْبَرْتُ أَبَا سَعِيدٍ فَقُلْتُ إِنِّي سَأَلْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ عَنْ الصَّرْفِ فَقَالَ أَيَدًا بِيَدٍ قُلْتُ نَعَمْ قَالَ فَلَا بَأْسَ بِهِ قَالَ أَوَ قَالَ ذَلِكَ إِنَّا سَنَكْتُبُ إِلَيْهِ فَلَا يُفْتِيكُمُوهُ. ومفهوم ذلك أن ابن عباس كان يفتي بجواز التفاضل. ينظر: فتح الباري: 7/ 6.
(4) فتح الباري: 7/ 6.