الصفحة 10 من 33

إن دراسة مفهوم التأويل من خلال التطبيقات لن يقوم على قبول التأويل ورده فقط، بل يصحبه سبب التأويل وصلاحية النص المؤول، إلا أن الأمثلة لن تقتصر على مختلف الحديث، وإنما سنتعرض أيضا لبعض النماذج من تعارض الحديث مع القرآن والإجماع والحس والتاريخ.

إن الغرض من التطبيقات تسليط الضوء على مفهوم التأويل وشروطه ومدى إصابته لمراد المشرع، متأملين النظر في أقوال العلماء على أنهم مجتهدون، اجتهدوا بتأويلاتهم ضمن نطاق مداركهم وعصرهم، ولا مانع أن يكون هناك فهم جديد أو نقد يوجهه مدارك هذا العصر.

من المتفق عليه عند علماء المسلمين استحالة تعارض الحديث مع القرآن على الحقيقة، لكون كليهما وحيا من عند الله، وقد يكون التعارض ظاهريا مثل ما أشكل على عائشة معارضة قول النبي - صلى الله عليه وسلم:"من نوقش الحساب عذب"مع قوله تعالى {فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا} {الانشقاق: 8} ، فجاء البيان النبوي في تفسير الحساب اليسير بالعرض [1] .

أما إذا وقع تعارض حقيقي بين الحديث وصريح القرآن، فهذا دلالة عند المحدثين على عدم صحة الحديث، ذكر الخطيب البغدادي أن مما يعلم فساده من الأخبار أن يكون مما يدفعه نص القرآن [2] .

وقد ذكر ابن القيم أمارات لمعرفة الأحاديث الموضوعة منها:"مخالفة الحديث صريح القرآن" [3] .

إن رد الحديث قائم على إثبات التعارض الحقيقي لا الظاهري، ويكون رده لعدم اعتباره كخبر ظني أمام قطعية القرآن، إلا أن الحكم على التعارض حقيقي أو ظاهري يخضع لنظر النقاد واجتهادهم وقناعتهم بالتأويل كرفع لذلك التعارض من جهة، والتسليم بقبول الحديث من جهة أخرى.

ونطرح أنموذج من خلال نص البخاري في صحيحه:"باب قول النبي - صلى الله عليه وسلم -"يعذب الميت ببعض بكاء أهله عليه"إذا كان النوح من سنته، لقوله تعالى {قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا} {التحريم:6} ،وقال النبي - صلى الله عليه وسلم:"كلكم راع ومسؤول عن رعيته"فإذا لم يكن من سنته فهو كما قالت عائشة {وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} {الأنعام:164} وهو كقوله {وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ} {فاطر: 18} .. ثم يتابع البخاري في الترجمة فيقول"وَمَا يُرَخَّصُ مِنْ الْبُكَاءِ فِي غَيْرِ نَوْحٍ وَقَالَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - لَا تُقْتَلُ نَفْسٌ ظُلْمًا إِلَّا كَانَ عَلَى ابْنِ آدَمَ الْأَوَّلِ كِفْلٌ مِنْ دَمِهَا" [4] "

-تأويل الحديث: إن البخاري في هذا المثال أوقعنا بجدلية قبول الحديث من خلال تأويله أو رده لمعارضته

(1) صحيح البخاري، كتاب التفسير، باب {فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا} :4/ 1885.

(2) ينظر: الكفاية: 17.

(3) قال ابن القيم:"ويشبه هذا ما وقع فيه الغلط من حديث أبي هريرة خلق الله التربة يوم السبت الحديث وهو في صحيح مسلم ولكن وقع الغلط في رفعه إنما هو من قول كعب الأحبار ". المنار المنيف:80.

(4) صحيح البخاري، كتاب الجنائز، باب قول النبي - صلى الله عليه وسلم -"يعذب الميت ..": 1/ 431.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت