صريح القرآن، فقد حاول البخاري أن يؤول الحديث إلى أن المراد بالبكاء هو النوح [1] ، ثم قيد الحديث بحمله على أنه إذا كان عادة وسنة القوم النوح على الميت، وذلك من باب قوله تعالى {قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارً} ، وباب قوله - صلى الله عليه وسلم -"كلكم راع ومسؤول عن رعيته"، ثم يصرح البخاري بأن التأويل الذي ذكره إذا لم يتحقق فنأخذ بصريح القرآن دون الحديث، كأنه يقول أن الحديث خاص ومقيد بذلك التأويل فقط.
ومن جانب أخر ساق البخاري أحاديث تحت هذه الترجمة يثبت أن النبي - صلى الله عليه وسلم - بكى على بعض الموتى، وسماها رحمة من الله عز وجل [2] ، ولذلك فرق بين النياحة والبكاء، رغم أن رواياته كلها جاءت بلفظ"بكاء"، ولم يتبنَ الروايات التي جاء فيها بتصريح النياحة، كحديث ابن عمر عن عمر - رضي الله عنهم - عن النبي - صلى الله عليه وسلم -"الميت يعذب في قبره بما نيح عليه"، ورواية أخرى عن حفصة عن أبيها عمر - رضي الله عنهم:"المعول عليه يعذب"، وعن المغيرة بن شعبة عن النبي - صلى الله عليه وسلم -"من نيح عليه فإنه يعذب بما نيح عليه يوم القيامة" [3] .
إلا أن جميع هذه الروايات لا تفيد تقييد الحديث بمن كان النوح من سنته، وهذا اجتهاد من البخاري في التوفيق بين الحديث والقرآن، ولم يذكر لنا دليلا أو قرينة على هذا التأويل والتخصيص، بل ذكر ابن حجر من تمسك بظاهر الحديث من الصحابة كعمر وابن عمر وحفصة، وكانوا ينهون عن البكاء لا النوح ويستشهدون بهذا الحديث.
إن التأويل الذي تبناه البخاري هو واحد من سبعة احتمالات نقلها ابن حجر عن النقاد، حتى قال الإسماعيلي:"كثر الكلام في هذه المسألة، وقال كل مجتهد على حسب قدره"، ومما ذكره ابن حجر: أن الحديث يحمل لمن أوصى بالنياحة، أو لمن أهمل نهي أهله عن ذلك، ومنها: قوله"يُعَذَّب بِبُكَاءِ أَهْله"أي بنظير ما يبكيه أهله به، ومنها: معنى التعذيب توبيخ الملائكة له بما يندبه أهله به، ومنها: معنى التعذيب تألم الميت بما يقع من أهله من النياحة وغيرها، وختم ابن حجر الاحتمالات بتوجيه الكرماني فقد خص قَوْله تَعَالَى {وَلَا تَزِرُ وَازِرَة وِزْر أُخْرَى} عَلَى يَوْم الْقِيَامَة، وَهَذَا الْحَدِيث وَمَا أَشْبَهَهُ عَلَى حياة الْبَرْزَخ [4] .
وهذه التأويلات في جلها لو تمعنت بها لم تجد لها دليلا أو قرينة تؤيدها، إلا أن التأويل حتمي لصحة الحديث بنظر من أوله لتعارضه مع القرآن، ولم تتعرض هذه التأويلات لاستدراك عائشة على الحديث.
-شذوذ ابن قتيبة: إن شذوذ ابن قتيبة ليس بتأويلاته التي ساقها، وقد وافقه عليها غيره، وإنما بأدلته التي ساقها ليدلل على صحة تأويله، أما تأويله بناه على أمرين، الأول أن المراد بالميت الكافر، فلا تعارض عنده لأن الكافر يعذب على كل حال، والثاني المراد بالميت المسلم العاصي، ولا إشكال عنده من أن يعذب الله الميت بذنوب غيره، وهذا الظاهر لا يتعارض مع الآية، لآن الآية نزلت في أحكام الدنيا، كان أهل
(1) قال ابن حجر:"وأما تعبير المصنف بالنوح فمراده ما كان من البكاء بصياح وعويل"فتح الباري: 4/ 327.
(2) ينظر نفس الترجمة حديث أسامة بن زيد، وأنس بن مالك - رضي الله عنهم: 1/ 431 - 432.
(3) مسلم، كتاب الجنائز، باب الميت يعذب ببكاء أهله عليه: 2/ 639 - 640، وحديث المغيرة: 2/ 643.
(4) فتح الباري: 4/ 327.