الجاهلية يأخذون بالثأر من لا علاقة له بالقتل، فأنزل الله {وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} {الأنعام:164} [1] ، ثم ساق أدلة يثبت أن الله عذب أقواما بجريرة غيرهم، وقد انتصر لمذهبه بنص من أهل الكتاب، وهو موضع الشذوذ، ولا أدري كيف استجاز أن يضعه في كتابه ويقنع به نفسه كدليل إذ يستحيل على المسلم تبنيه، _ وأستغفر الله على ذلك _ إذ يقول ابن قتيبة"وأخبرني رجل من الكوفيين، قرأ في الكتب المتقدمة من كتب الله تعالى، فوجد في كتاب منها < أن الله الحقود، آخذ الأبناء بذنوب الآباء >".
من جانب آخر تجاهل ابن قتيبة في تأويله جواب عائشة، واعترض عليها أن استدراكها على الصحابة ظن منها وتأويل، ولا يجوز رد حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لظنها [2] .
-رد الحديث: ولكن بدا واضحا من السياق أن عائشة اعترضت على هذه الرواية وردتها قرآنيا كما صرح ابن حجر، علما أنها لم ترد الحديث كليا أو تنفيه على الإطلاق بل حملته على خلاف ما نقل لها، مخطئةً الراوي، ومصوبة ما سمعته من النبي - صلى الله عليه وسلم -، وقد وقع الصواب في الصحيح بروايتين مختلفتين رواهما البخاري: الأولى: أن عائشة قالت أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:"إن الله ليزيد الكافر عذابا ببكاء أهله عليه"، ولكن هذه الرواية على ظاهرها تعارض القرآن أيضا، فما الفرق بين الكافر والمؤمن في قوله تعالى {وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} {الأنعام:164} ، ومثل ذلك عند مسلم"كانت عائشة تقول إنما كان أولئك اليهود".
والثانية:"إنما مَرّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على يهودية يبكي عليها أهلها فقال إنهم ليبكون عليها وإنها لتعذب في قبرها"وقريب منه عند مسلم"إنه ليعذب بخطيئته أو بذنبه وإن أهله ليبكون عليه" [3] . وهذا الجواب لا إشكال فيه قرآنيا ومقاصديا طالما يعذب بخطيئته، إلا أنه تعارض مع جوابها السابق.
إلا أن هذه الردود عن عائشة وتخطئة الراوي ونسيانه؛ قد لا تستقيم أمام كثرة رواة الحديث عن النبي - صلى الله عليه وسلم - برواية ابن عمر أو قريب منها، وقال القرطبي:"إنكار عائشة ذلك وحكمها على الراوي بالتخطئة أو النسيان أو على أنه سمع بعضا ولم يسمع بعضا بعيد لأن الرواة لهذا المعنى من الصحابة كثيرون وهم جازمون فلا وجه للنفي مع إمكان حمله على محمل صحيح" [4] .
مقابل ذلك أيد بعض الصحابة عائشة، منهم ابن عباس وقد أيد عائشة عندما سمع ردها على حديث ابن عمر، واستشهد بقوله تعالى {وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى} {النجم: 43} [5] .
وقد يستوقفنا أيضا ابن عمر الذي وضعنا أمام حيرة، عندما يروي حديثا خلاف ما رواه سابقا، دون أن يثير عنده إشكالا أو ينبه على الجمع بينهما، فيروي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - بكى عندما دخل على مريض وبكى معه
(1) إن جوابه يُحتمل لو كان دليل عائشة في رد الحديث فقط هذه الآية، ولكن ساق الشافعي عدة آيات تعارض الحديث شكلت مقصدا كليا كقوله تعالى {كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ} {المدثر: 38} {وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى} {النجم:39} {وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى} {النجم: 43} ، ينظر: اختلاف الحديث للشافعي: 224 - 225، والموافقات للشاطبي: 3/ 10 - 11.
(2) تأويل مختلف الحديث: 250.
(3) جميع هذه الروايات ضمن نفس الأبواب السابقة في الصحيحين.
(4) فتح الباري: 4/ 327.
(5) رواه البخاري ومسلم تحت الأبواب السابقة.