الصفحة 15 من 33

هكذا رأى ابن الصلاح الجمع بين هذين الحديثين، ولو كان الأمر كما ارتأى؛ لوجب على النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يوضح للصحابة أن كل شيء عبارة عن سبب ومسبب، وليس الأمر خاصا في الطب، وقد يتخلف السبب عن المسبب إذا شاء الله عز وجل، فقد جعل الله النار بردا وسلاما على إبراهيم.

وربما لعدم قناعة ابن حجر بهذا التأويل _وقد عرضه مثالا لمختلف الحديث _ وفقدان الدليل في تخصيص الحديث بتلك الحكمة رأى تأويلا آخر رجحه على سابقه، فيقول:"والأولى في الجمع أن يقال: إن نفيه - صلى الله عليه وسلم - للعدوى باق على عمومه ... ، وأما الفرار من المجذوم فمن باب سد الذرائع ..." [1] .

لقد تمسك ابن حجر بظاهر الحديث ونفى العدوى، وأيد ذلك بأدلة أخرى، وأوّل حديث المجذوم أنه من باب سد الذرائع خشية أن يعتقد الشخص إذا أصيب بالجذام بمخالطة المجذوم، كان سببه العدوى، فيعتقد صحة العدوى ويقع بالحرج، لذاك أمره النبي - صلى الله عليه وسلم - بالفرار.

إن تمسك ابن حجر بحديث نفي العدوى من جهة، وتأويله الثاني من باب سد الذريعة، يصعب قبوله وفيه تكلف، وخصوصا معارضته للحس والواقع والعلم.

رد الحديث: إن هذا الجهد من العلماء في الجمع بين هذه الأحاديث، وما ذكروه من تأويلات، قد يكون هباء منثورا، وذلك إذا علمت أن للحديث علة أخرى اعتد بها المحدثون، وهي جحود الصحابي أبي هريرة لحديثه الأول"لا عدوى ولا طير .."واستنكرها أصلا، قال أبو سلمة بن عبد الرحمن وهو راوي الحديث"وأنكر أبو هريرة الحديث الأول قلنا ألم تحدث أنه لا عدوى فرطن بالحبشية قال أبو سلمة فما رأيته نسي حديثا غيره"، وهذا النص في صحيح البخاري [2] .

أما عند مسلم:"وقال الحارث بن أبي ذباب وهو ابن عم أبي هريرة قد كنت أسمعك يا أبا هريرة تحدثنا مع هذا الحديث_ أي لا يوردن ممرض على مصح _ حديثا آخر قد سكت عنه، كنت تقول: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -"لا عدوى"، فأبى أبو هريرة أن يعرف ذلك وقال:"لا يورد ممرض على مصح"، فما رآه الحارث في ذلك حتى غضب أبو هريرة فرطن بالحبشية فقال للحارث أتدري ماذا قلت قال لا، قال أبو هريرة: قلت أبيت. قال أبو سلمة ولعمري لقد كان أبو هريرة يحدثنا أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال:"لا عدوى"فلا أدري أنسي أبو هريرة أو نسخ أحد القولين الآخر" [3] .

وما يثير الانتباه هو أن أبا هريرة قد ذُكّر مرتين في حديثه لا عدوى، مرة من أبي سلمة، ومرة من الحارث، وقد كان جوابه لهما بأن رطن بالحبشية بالنفي دون الإقرار برواية حديث"لا عدوى".

إلا أن اعتذار أبي سلمة لإنكار أبي هريرة للحديث بأنه إما أنه نسي أو نسخ فيه نظر، أما أنه نسي فهذا لا يصح بحقه عند المحدثين لما ثبت في الصحيح دعاء النبي - صلى الله عليه وسلم - له بالحفظ وأن لا ينسى أبدا [4] ، وأما النسخ فإنه

(1) ينظر: شرح النخبة: 73 - 74.

(2) صحيح البخاري، كتاب الطب، باب لا هامة: 5/ 2177.

(3) صحيح مسلم، باب لا عدوى ولا طيرة ....: 4/ 1743.

(4) رواه البخاري: كتاب العلم، باب حفظ العلم:1/ 55، ومسلم كتاب فضائل الصحابة، باب من فضائل أبي هريرة:4/ 1939.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت