الصفحة 16 من 33

لا يقبل في مجال الطب والعلم، ولا يثبت بالاحتمال، ويشترط به معرفة التاريخ وقد تعذر ذلك.

ثانيا _ الشؤم:

إن رواية ابن عمر:"لا عدوى ولا طيرة، إنما الشؤم في ثلاث في الفرس والمرأة والدار"واضحة في إثبات الشؤم في هذه الثلاث، علما أن في نفس الحديث تعارضا، ففي قوله لا طيرة، نفى الشؤم على الإطلاق، والطيرة هي الشؤم [1] ، ثم أثبت الشؤم في ثلاث. قال ابن عبد البر:"وهذا محال أن يظن بالنبي - صلى الله عليه وسلم - مثل هذا من النفي والإثبات في شيء واحد ووقت واحد"، لذلك أوّل إنما الطيرة أي إنما إثم الطيرة .. [2] .

أما حديث جابر فإنه اختلف لفظه، وتغير ثلاثي الشؤم، قال النبي - صلى الله عليه وسلم:"إن كان في شيء ففي الربع والخادم والفرس" [3] ، فخرجت المرأة ودخل الخادم، مع ملاحظة أن لفظ الحديث على سبيل الافتراض.

-تأويل الحديث: إن الحكم بثبوت هذه الرواية وصحتها يُحتّم تأويلها، لأنها معارضة لصريح القرآن كما سيأتي بعد قليل، وحط لمكانة المرأة التي كرمها الله عز وجل وجعلها قرين الدابة والدار، ومع ذلك فقد تمسك بعض العلماء بظاهر الحديث وأثبتوا الشؤم في هذه الثلاثة، والغرابة أن النووي وابن حجر نقلا هذا القول عن ابن قتيبة [4] ، وهذا يخالف ما نقلت عنه قبل قليل برده رواية الشؤم.

ولكن قد يعذر من تمسك بظاهر الحديث لعسر التأويل، وكونه أقرب إلى النص الذي لا يتطرق إليه الاحتمال فرغم محاولة ابن العربي والمازري في فهم الحديث إلا أنهما لم يأتيا بإضافة سوى حمل الحديث على الاستفهام، وقد جاء الحديث بلفظ"إن يكن من الشؤم شيء حق ففي الفرس والمرأة والدار" [5] .

قال ابن العربي:"إن كان خلق الله الشؤم في شيء مما جرى من بعض العادة فإنما يخلقه في هذه الأشياء". وقال المازري:"مجمل هذه الرواية إن يكن الشؤم حقا فهذه الثلاث أحق به بمعنى أن النفوس يقع فيها التشاؤم بهذه أكثر مما يقع بغيرها" [6] .

وقد تمسك بعض العلماء بهذه الرواية للجمع بين الأدلة، وهو ما رجحه الطحاوي فقال:"فلم يخبر أنها فيهن، وإنما قال إن تكن في شيء، ففيهن أي لو كانت تكون في شيء لكانت في هؤلاء فإذا لم تكن في هؤلاء الثلاثة فليست في شيء" [7] .

وبمعنى آخر: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - يعلم أنه لا شؤم في هذه الثلاثة وإنما ذكره على سبيل الافتراض، وهذا التأويل يجب أن يصان عنه النبي - صلى الله عليه وسلم - لما فيه من نسبة العبث إلى كلامه - صلى الله عليه وسلم - وهو مصدر التشريع والوحي، ويدحض هذا التأويل أيضا الروايات الأخرى الثابتة بصيغة الحصر"إنما الشؤم ...".

(1) ينظر: النهاية في غريب الحديث: 3/ 334. قال ابن الأثير:"الطِّيَرة: هي التَّشاؤُم بالشَّيء".

(2) التمهيد: 9/ 284.

(3) رواه مسلم، كتاب السلام، باب الطيرة والفأل ما يكون فيه من الشؤم: 4/ 1748.

(4) فتح الباري: 8/ 484، وينظر شرح مسلم للنووي: 7/ 382.

(5) رواه مسلم، نفس الكتاب والباب: 4/ 1747.

(6) فتح الباري: 6/ 61.

(7) الطحاوي، شرح معاني الآثار: 4/ 314.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت