الصفحة 17 من 33

ولكن لما حاول بعضهم التأويل جاء تأويلهم مستبعدا ومردودا، فمثلا قد تأوله بعضهم على أن ذلك سيق لبيان اعتقاد الناس في ذلك لا أنه إخبار من النبي - صلى الله عليه وسلم - بثبوت ذلك"، فعلق ابن حجر:"وسياق الأحاديث الصحيحة المتقدم ذكرها يبعد هذا التأويل"، ونقل عن ابن العربي:"هذا جواب ساقط لأنه - صلى الله عليه وسلم - لم يبعث ليخبر الناس عن معتقداتهم الماضية والحاصلة وإنما بعث ليعلمهم ما يلزمهم أن يعتقدوه" [1] ."

لقد ذكر ابن حجر محاولة أخرى مبنية على ثبوت الشؤم في هذه الثلاث، ولكن تفسير الشؤم بخلاف ما هو مصطلح عليه، فنقل عن عبد الرزاق عن معمر تفسير الحديث بما يلي:"شؤم المرأة إذا كانت غير ولود وشؤم الفرس إذا لم يغز عليه في سبيل الله وشؤم الدار جار السوء" [2] .

ولكن هذا التأويل مجرد تخمين، لا يقوم على أي دليل، بدليل تأويل آخر نقله ابن حجر عن الدمياطي:"إذا كان الفرس ضروبا فهو مشئوم، وإذا حنت المرأة إلى بعلها الأول فهي مشئومة، وإذا كانت الدار بعيدة من المسجد لا يسمع منها الأذان فهي مشئومة."

إن التأويل الذي رجحه ابن حجر هو ما ذهب إليه ابن العربي في الدفاع عن مالك، فقد روى في الموطأ تحت باب ما يتقى من الشؤم حديث ابن عمر [3] ، فدافع عنه ابن العربي بقوله:"لم يرد مالك إضافة الشؤم إلى الدار، وإنما هو عبارة عن جري العادة فيها، فأشار إلى أنه ينبغي للمرء الخروج عنها صيانة لاعتقاده عن التعلق بالباطل" [4] ، وقد رجح ابن حجر هذا التأويل قياسا على تأويله حديث لا عدوى وحديث المجذوم.

وهذا تأويل بعيد وهو مجرد تخمين ليس له دليل إلا الدفاع عن الحديث أو إمامه، ولعسر قبول الحديث على ظاهره، وإلا لماذا غاب هذا الفهم عن كبار الصحابة والتابعين واضطروا لرد الحديث.

-رد الحديث: سبق ذكر إنكار ابن قتيبة حديث الشؤم ونسب الوهم لأبي هريرة في روايته، واستدل على ذلك بما رواه بسنده عن أبي حسان الأعرج أن رجلين دخلا على عائشة فقالا: إن أبا هريرة يحدث عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: إنما الطيرة في المرأة والدابة والدار فطارت شفقًا ثم قالت: كذب والذي أنزل القرآن على أبي القاسم من حدث بهذا عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إنما قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: كان أهل الجاهلية يقولون إن الطيرة في الدابة والمرأة والدار ثم قرأت: {مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا} {الحديد: 22} ،علما أن هذا الرد لم يذكره أصحاب الكتب الستة كسابقه، وإنما الإمام أحمد والطيالسي [5] .

لقد ظهر من جديد الضابط القرآني عند عائشة لرد الحديث حسب ما نقل إليها، ثم تأتي بالرواية التامة التي حلت الإشكال بوضوح، وأن النبي - صلى الله عليه وسلم - يخبر أن الطيرة كانت من عادات الجاهلية كما ورد عند ابن قتيبة والإمام أحمد، أما رواية عائشة عند الطيالسي كان ذلك من معتقدات اليهود [6] .

(1) وهناك تأويلات أخرى ذكرها ابن حجر، ومنها ما يتعلق بتفسير شؤم المرأة والدار: ينظر فتح الباري: 6/ 61.

(2) مصنف عبد الرزاق: 10/ 411.

(3) الموطأ: 2/ 972.

(4) فتح الباري: 8/ 484.

(5) تأويل مختلف الحديث: 105، وقد رواه الإمام أحمد في مسنده: 6/ 246.

(6) ينظر: مسند الطيالسي: 215، وقد حكم ابن حجر على هذه الرواية بالانقطاع، ينظر: فتح الباري 6/ 61

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت