الصفحة 22 من 33

_ تأويل الحديث:

إن زيادة الشيخين في استدراك ابن عمر على من وهل من الصحابة، يبين الخطأ الذي وقع إما في النقل أو الفهم، أما من جهة النقل فقد وردت أكثر الروايات على الإطلاق من غير كلمة"اليوم"ومن ذلك رواية ابن عمر، فيصحح لهم بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - ذكر"ممن هو اليوم"، أما من جهة الفهم فقد حمل الحديث ليس على قيام الساعة وإنما أوله على أن المراد انخرام القرن، ولا يبقى أحد ممن هو حي بعد مائة سنة.

وأكد ابن حجر أن ابن عمر قد أوّل الحديث بقوله:"وقد بين ابن عمر في هذا الحديث مراد النبي - صلى الله عليه وسلم - وأن مراده أن عند انقضاء مائة سنة من مقالته تلك ينخرم ذلك القرن فلا يبقى أحد ممن كان موجودا حال تلك المقالة" [1] . ويلاحظ أن ابن حجر زاد على تأويل ابن عمر بمن كان موجودا حال تلك المقالة، أي يفهم منه ممن كان في مجلس النبي - صلى الله عليه وسلم - وليس كل حي موجود في تلك اللحظة كما هو ظاهر من تأويل ابن عمر.

إن خصوصية هذا التأويل أنه وقع من صحابي في عصر النبي - صلى الله عليه وسلم -، فرغم أن الصحابة فزعوا وخافوا من مقالة النبي - صلى الله عليه وسلم - التي تتحدث عن سنة مائة، ويبرر العيني ذلك:"حيث تؤولونها بهذه التأويلات التي كانت مشهورة بينهم مشارا إليها عندهم في المعنى المراد عن مائة سنة مثل إن المراد بها انقراض العالم بالكلية ونحوه لأن بعضهم كان يقول إن الساعة تقوم عند انقضاء مائة سنة" [2] ، مع ذلك يكون جواب هذا الإشكال تأويل ابن عمر لما فهمه الصحابة من تلك المقالات، دون الرجوع إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - لفهم المراد على حقيقته.

ولكن مع ذلك فإن مسلما يذكر في صحيحه رواية أخرى عن سالم عن جابر، وسالم هو ابن عبد الله بن عمر الذي روى الحديث السابق عن أبيه، فإنه يروي هنا الحديث عن جابر، ويؤول الحديث بقوله:"ما من نفس مخلوقة"، أضاف كلمة مخلوقة في الحديث، ليحل الإشكال.

بينما نقل مسلم أيضا عن عبد الرحمن وهو أحد رواة الحديث أن المراد هو نقص العمر.

إن ما ذكرناه من تأويلات جاءت ضمن سياق الروايات ومن كلام الرواة، أما ما ذكره الشراح والنقاد من فهم وتأويل في كتبهم مختلف: فالنووي الذي فهم من كلام ابن عمر أنه أراد انخرام القرن، فيقول:"المراد أن كل نفس منفوسة كانت تلك الليلة على الأرض لا تعيش بعدها أكثر من مائة سنة سواء قلّ أمرها قبل ذلك أم لا، وليس فيه نفي عيش أحد يوجد بعد تلك الليلة فوق مائة سنة"، فإن هذا التأويل قيد بأن المراد من كان موجودا حال تلك المقالة، ثم يضبط ابن حجر بالاستقراء ليكون آخر من ضبط أمره ممن كان موجودا حينئذ أبو الطفيل عامر بن واثلة [3] ، علما أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال مقولته قبل وفاته بقليل حسب ما ورد في الصحيح.

(1) فتح الباري: 2/ 393.

(2) عمدة القاري: 5/ 97.

(3) ينظر: شرح مسلم: 16/ 89، وفتح الباري: 2/ 393.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت