فإذا كان أبو الطفيل ولد عام أحد وكان عمره سبع سنين أو ثمان حين توفي النبي - صلى الله عليه وسلم - [1] ، فكيف نفهم الحديث على فهم ابن عمر والنووي أن المراد ما من نفس مخلوقة أو كائنة تلك الليلة؟، فماذا كان مصير الأنفس من التابعين خلال ستة أعوام، وقد ولدوا في حياة النبي - صلى الله عليه وسلم - ولم يدركوه بالصحبة لصغر عمرهم؟.
إن جواب ذلك جاء من خلال تقييد الحديث بمن سمع تلك المقالة فقط، لينتهي الأمر عند أبي الطفيل فقط واعتباره آخر من توفي منهم، مع اختلافهم في تاريخ وفاتهم حسب فهمه للحديث [2] .
ولكن الروايات التي ذكرت لا تدل على هذا التقييد والتأويل، بأن المراد هم الصحابة الذين حضروا المجلس، لذلك حاول ابن قتيبة أن يضيف حرفا _ وهو منكم_ في الحديث قد أسقطه الرواة، إما لأنهم نسوه أو لأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أخفاه فلم يسمعوه، ثم يقول:"ونراه بل لا نشك أنه قال لا يبقى على الأرض"منكم"يومئذ نفس منفوسة يعني من حضره في ذلك المجلس أو يعني الصحابة فأسقط الراوي منكم".
لقد تبنى ابن قتيبة هذه الزيادة لاعتقاده أن أصل الحديث صحيح، ولا بد من التأويل لكي لا يحكم ببطلانه كما نَقلَ عن بعضهم، بقولهم:"وهذا باطل بيّن للعيان ونحن طاعنون في سني ثلثمائة والناس أكثر مما كانوا" [3] .
فهل يستقيم جوابه مع قواعد المحدثين بنسبة الوهم والسهو لجميع الرواة؟ أجاب الطحاوي ببراءة الرواة من ذلك لأن نقلهم عنه نقل الجماعة، ونقل الجماعة بريء من ذلك، وإنما يكون مثل هذا إذا كان في نقل الآحاد [4] . ومن ثم كيف استقام معه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أخفاه، وهو الذي كان إذا حدث أسمع، وكرر اللفظ ثلاث أو أربع مرات.
إلا أن الحرف الذي كان يبحث عنه ابن قتيبة، وجد فيما بعد في صحيح ابن حبان عن جابر بن عبد الله"أن رسول - صلى الله عليه وسلم - قال ما منكم من نفس منفوسة يأتي عليها مائة سنة وهي حية" [5] ، وهذه الرواية قد حلت الإشكال برأيي كثير من الباحثين، ليكون هذا الحديث معجزة من معجزات النبي - صلى الله عليه وسلم -، وكل من فهم الحديث بما جاء بطرقه الصحيحة فهو شاذ الفهم وعدو للسنة [6] ، ولكن ما أحوج ابن قتيبة لهذه الإضافة في عصره بدل أن ينسب إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - ما ذكر، وقد خلت جميع الروايات التي ذكرناها من هذا الحرف.
(1) ينظر: الإصابة: 3/ 353، وأسد الغابة: 2/ 67.
(2) اختلف في وفاته: فقيل سنة مائة بناء على تفسير رأس مائة سنة، فابن الصلاح يرجح أنه توفي سنة مائة ويكون المراد هنا من رأس القرن وهو مائة للهجرة، وذهب آخرون إلى أن الأصح توفي سنة مائة وعشرة، ويكون المراد من الحديث هنا رأس مائة سنة من وفاة النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو مائة وعشرة ينظر: مقدمة ابن الصلاح:300،وأسد الغابة:2/ 68، وفتح الباري: 2/ 393.
(3) ينظر: تأويل مختلف الحديث: 99 - 100.
(4) مشكل الآثار: 1/ 161.
(5) صحيح ابن حبان: 7/ 257
(6) إن أقوى حجة جاءت للدفاع عن الحديث أنه جاء من أوجه أخرى تفسر ما أبهم منه، وهي رواية ابن حبان، وبناء على ذلك اعتبر معجزة، وكل روايات الحديث قد سلمت من الاضطراب والعلل، ولك أن تتأمل كيف تحول الاضطراب من علة إلى وجه توفيق يوصل إلى معجزة حصلت للنبي - صلى الله عليه وسلم -. ينظر: السنة قبل التدوين، عجاج الخطيب: 256 - 257، وينظر: السنة مع المستشرقين والمستغربين، الندوي: 11. وينظر: التعارض في الحديث، الصغير: 81 - 83.