أما الطحاوي فقد تبنى تأويل ابن قتيبة تقييده الحديث بالصحابة، ثم يثير إشكالا ينسف به التأويل السابق فيقول:"فإن قال قائل: فقد كان في أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مخضرمون ممن كان في الجاهلية وبقي في الإسلام حتى جاوز هذه المدة منهم أبو عثمان النهدي .... وآخرون ذكرهم، فيجيب عن ذلك باحتمالين، الأول: تأويل الحديث من جديد بأنه أراد به ممن كان اتبعه لا ممن سواهم والله أعلم ما أراد من ذلك، والثاني:"غير أنه قد يحتمل أن يكون وفاة هؤلاء المعمرين في المائة سنة التي ذكرها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قبل خروجها، وهو أولى ما حملت عليه هذا المعنى إن شاء الله تعالى والله أعلم" [1] ."
ثانيا _ رد الحديث:
_ ذكر ابن القيم قاعدة يعرف بها الحديث الموضوع وهي:"أحاديث التواريخ المستقبلة وقد تقدمت الإشارة إليها، وهي كل حديث فيه إذا كانت سنة كذا وكذا حل كذا وكذا ... ، ثم يذكر مثالا لذلك:"حديث عند رأس مئة يبعث الله ريحا باردة يقبض الله فيها روح كل مؤمن" [2] ."
إن المتأمل في الحديثين يجد أن موضوع الحديث واحد، وكلاهما يندرج تحت القاعدة التي ذكرت، إلا أن الحديث الذي ذكره ابن القيم زاد فيه الوسيلة التي تقبض فيها الروح، وخصص القبض لروح المؤمن فقط بينما حديث الباب قد شمل كل روح، ولكن بناء على تأويل الشراح فهذا الخلاف لا أثر له، لأنهم خصوا الحديث بالصحابة أو من اتبعه - صلى الله عليه وسلم - وهم مؤمنون، ومما يؤكد أن معنى الحديث واحد؛ صنيع الهيثمي فقد جمع أحاديث الباب ورواياته في موضع واحد، ومن بينها حديث ابن القيم عن الصحابي بريدة [3] .
_ إن ما سبق من تأويلات كان محاولة للتوفيق بين الحديث ومعارضته للواقع والتاريخ، دون التعرض لمعارضته لصريح القرآن بناء على تأويله أن المراد به انخرام القرن وليس قيام الساعة، إذ كيف يُسأل النبي - صلى الله عليه وسلم - عن الساعة _كما ورد في حديث جابر وأبي سعيد عند مسلم _، فيجيب بتحديدها على رأس مائة سنة، وقد صرح القرآن بأنه - صلى الله عليه وسلم - لا يعلمها.
قال تعالى {يَسْأَلُونَكَ عَنْ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} {الأعراف: 187} .
وقوله تعالى {يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا 42} فِيمَ أَنتَ مِن ذِكْرَاهَا {43} إِلَى رَبِّكَ مُنتَهَاهَا {44} إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرُ مَن يَخْشَاهَا {45} كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا {46} {النازعات:42 - 46} .
لذلك عاود بعض الشراح تأويل الحديث لنفي أن يكون النبي - صلى الله عليه وسلم - حدد سنة قيام الساعة [4] .
(1) مشكل الآثار: 1/ 163 - 164.
(2) المنار المنيف: 110.
(3) ينظر: مجمع الزوائد: 1/ 199، قال الهيثمي: رجاله رجال الصحيح، والحديث رواه الحاكم في المستدرك، وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي: 4/ 504.
(4) ينظر فتح الباري: 18/ 353، من ذلك ما نقله ابن حجر عن الداودي أن هَذَا الْجَوَاب مِنْ مَعَارِيضِ الْكَلَامِ فَإِنَّهُ لَوْ قَالَ لَهُمْ لَا أَدْرِي اِبْتِدَاءً مَعَ مَا هُمْ فِيهِ مِنْ الْجَفَاءِ وَقَبْل تَمَكُّنِ الْإِيمَانِ فِي قُلُوبِهِمْ لَارْتَابُوا فَعَدَلَ إِلَى إِعْلَامِهِمْ بِالْوَقْتِ الَّذِي يَنْقَرِضُونَ هُمْ فِيهِ= =وَلَوْ كَانَ تَمَكَّنَ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِهِمْ لَأَفْصَحَ لَهُمْ بِالْمُرَادِ". فهل تأويل الداودي يستقيم مع صريح كتاب الله تعالى، علما أن حديث الباب ذكر في آخر حياة النبي - صلى الله عليه وسلم - كما جاء في رواية البخاري، وسياق الحديث يدل أن المخاطب ليس أعرابا وإنما أصحابه المقربون الذين يشهدون معه الصلوات وخصوصا كان زمن التحديث بعد صلاة العشاء."