وقال ابن عبد البر:"اعلم أن هذا الحديث مضطرب وقد كان ابن عباس يفتي بخلافة فدل على أنه غير صحيح عنه" [1] . وعلة مخالفة الراوي لفتواه استأنس بها الحنفية لرد الحديث، وهذا دلالة على نسخه عندهم [2] بينما زاد المالكية في رد الحديث على ما تقدم مخالفته لعمل أهل المدينة [3] .
أخيرا: لقد استعصى قبول ظاهر الحديث على جمهور الفقهاء، رغم تسليم جمهور المحدثين بصحته، ولم يسعفهم أي تأويل صحيح لفهم الحديث، فاضطروا لتأويلات بعيدة كتفسير الصيام بالإطعام، ولكن هل يدل الصيام على الصدقة أو إطعام الفقير مجازا؟ وأي لغة استخدمها النبي - صلى الله عليه وسلم - في بيان ذلك؟
إلا أن النووي بتمسكه بظاهر الحديث ورفضه جميع التأويلات يدل على إشكالية حقيقة في تعريف التعارض، فبرأيه أن ليس هناك تعارض بين الحديث والنصوص القطعية من كتاب الله، وأنه يمكن أن يصوم إنسان عن ميت، ومن باب أولى يحج عنه، ضاربا بالأدلة القطعية عرض الحائط.
والغرابة أن النووي لامس علة الحديث بالاضطراب، ولكن مع ذلك حل هذا الاضطراب حسب قاعدته بتعدد الواقعة، وأنه أودعه مسلم في صحيحه، مبطلا دعوى من رده من النقاد.
مثال آخر: روى الشيخان عن رافع بن خديج عن عمه ظهير قال: لقد نهانا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن أمر كان بنا رافقا قلت: ما قال رسول الله فهو حق، قال دعاني رسول الله، قال ما تصنعون بمحاقلكم، قلت: نؤاجرها على الربع وعلى الأوسق من التمر والشعير قال لا تفعلوا ازرعوها أو أزرعوها أو أمسكوها، قال رافع: قلت: سمعا وطاعة" [4] ."
معارضة الحديث للمقصد: لقد ورد في متن الحديث نفسه المقصد الذي خالفه ظاهر الحديث، يقول رافع:"نهانا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن أمر كان بنا رافقا"وهذا خلاف ما هو مقرر في الشريعة، فالرفق والتيسير وعدم الحرج، مقصد كلي قطعي [5] .
_ تأويل الحديث:
أولا _ حمل الحديث على أنه حث من النبي - صلى الله عليه وسلم - لمواساة الصحابة بعضهم بعضا، فقد نقل طاووس عن ابن عباس أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم ينه عنه ولكن قال: إن يمنح أحدكم أخاه خير له من أن يأخذ شيئا معلوما، وهذا الحديث جاء في معرض رد طاووس على مجاهد عندما أراد أن يحيله على رافع [6] .
(1) التمهيد: 9/ 27.
(2) ينظر: فتح القدير: 4/ 394.
(3) ينظر: فتح الباري: 6/ 212، ولم أجد في كتب المالكية من صرح بذلك. ينظر: التمهيد: 9/ 28 - 29،والمنتقى: 2/ 342.
(4) صحيح البخاري، كتاب المزارعة، باب ما كان أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - يواسي بعضهم بعضا في الزراعة والثمرة: 2/ 824، ر 2214، مسلم، كتاب البيوع، باب كراء الأرض: 3/ 1161.
(5) الموافقات: 1/ 340، و 2/ 136، وينظر مقاصد التشريع، ابن عاشور: 39.
(6) صحيح مسلم، كتاب البيوع، باب الأرض تمنح: 3/ 1184.