وأول ما توصف به هذه العقلية كما بين القرآن: أنها ترفض الظن في كل موضع يطلب فيه اليقين, كما في مقام تأسيس العقائد التى تقوم عليها نظرة الإنسان إلى الوجود, أعنى: إلى الله والكون والإنسان والحياة. فهذه القضايا الكبرى لايكفي فيها الظن, بل لابد فيها من العلم, أي العلم اليقيني. قد يكفي الظن في قضايا الفروع والجزئيات, التى تقوم عليها تعاملات الناس بعضهم ببعض, ولهذا تقبل شهادة الشهود مع احتمال الخطأ والكذب, ويقبل حديث الواحد, مع احتمال ذلك. أما في القضايا الكلية الكبرى, فلايستغني فيها عن اليقين.
ومن هنا أنكر القرآن على المشركين اتباعهم الظن في هذه القضايا, وقال عز وجل وما يتبع أكثرهم إلا ظنا, إن الظن لايغني من الحق شيئا , إن الله عليم بما يفعلون (يونس 36) .
وفى سورة أخرى:"وما لهم به من علم, إن يتبعون إلا الظن, وإن الظن لايغني من الحق شيئا" (النجم 28) .
سيقول الذين أشركوا لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ولا حرمنا من شئ, كذلك كذب الذين من قبلهم حتى ذاقوا بأسنا, قل هل عندكم من علم فتخرجوه لنا, إن تتبعون إلا الظن وإن أنتم إلا تخرصون (الأنعام 148) .