صفحة رقم: 016
و وافقهم النصارى في مأخذ الحساب، صومهم وبعض أعيادهم، اذ كان مدار أمرهم فيها على «فصح» اليهود، وخالفوهم في استعمال الشهور؛ وذهبوا في ذلك مذهب الروم والسريانيّين. وكذلك كانت العرب تفعل في جاهليتها، فينظرون الى فضل ما بين سنتهم وسنة الشمس، وهو عشرة أيّام وإحدى وعشرون ساعة وخمس ساعة بالجليل من الحساب؛ فيلحقونها بها شهرا، كلّما تمّ منها ما يستوفى أيّام شهر؛ ولكنّهم كانوا يعملون على أنّه، عشرة أيّام وعشرون ساعة.
و يتولّى ذلك النّساة، من كنانة المعروفون بالقلامس واحدهم «قلمّس» ، وهو البحر الغزير؛ وهم أبو ثمامة جنادة بن عوف بن أميّة بن قلع بن عبّاد بن قلع بن حذيفة؛ وكانوا كلّهم نسأة 1. واوّل من فعل ذلك منهم كان حذيفة، وهو ابن عبد بن فقيم بن عدىّ بن عامر بن ثعلبة بن مالك بن كنانة؛ وآخر من فعله أبو ثمامة، قال شاعرهم يصفه:
فذا فقيم كان يدعى القلمسا
و كان للدّين لهم مؤسّسا مستمعا من قوله مرأّسا
[وقال آخر] 2:
مشهّر من سابقى كنانه
معظّم مشرّف مكانه مضى على ذلكم زمانه
[وقال آخر] 3:
ما بين دور الشمس والهلال
يجمعه جمعا لدى الإجمال حتّى يتمّ الشهر بالكمال
و كان أخذ ذلك من اليهود، قبل ظهور الإسلام بقريب من مائتى سنة، غير أنّهم كانوا يكبسون كل أربع وعشرين سنة قمريّة بتسعة أشهر. فكانت شهورهم ثابتة مع الأزمنة، جارية على سنن واحد، لا تتأخّر عن أوقاتها ولا تتقدّم؛ الى أن حجّ النبىّ - عليه السلام - حجّة الوداع وأنزل عليه: إِنَّمَا النَّسِيءُ زِياادَةٌ فِي الْكُفْرِ، يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا، يُحِلُّونَهُ عاامًا ويُحَرِّمُونَهُ عاامًا، لِيُوااطِؤُا عِدَّةَ ماا حَرَّمَ اللّاهُ 4. فخطب - عليه السلام - وقال: «إنّ الزمان قد استدار - كهيئته - يوم خلق اللّه السماوات والأرض» ، وتلا عليهم الآية في تحريم النّسيء - وهو الكبس - فاهملوه حينئذ، وزالت شهورهم عمّا كانت عليه؛ وصارت أسماؤها غير مؤدّية الى معانيها.
فأمّا سائر الأمم، فآراءهم في ذلك غير 5 معروفة، ويوشك أن لا يعدوا 6 هذه؛ فيكون كلّ واحد منهم، يقتدى برأى من جاوره في ذلك. وسمعت أنّ الهند، يستعملون رؤية الأهلّة في شهورهم، ويكبسون كل تسع مائة وستّة وسبعين يوما بشهر قمرى؛ ويجعلون ابتداء تأريخهم،
1). توپ / نب: نشاه.
2). عس / توپ: -.
3). عس / توپ: -.
4). قرآن، 37/ 9.
5). داد / طز: -.
6). طز: تعدو، نب: تعدوا.