صفحة رقم: 266
أنّه شاهد ذلك مع جماعة قصدوا كلواذا، سنة دخول عضد الدولة بغداد، وأنّها نيران وشموع لا تحصى كثرة، تظهر في الجانب الغربىّ من دجلة بإزاء كلواذا، في الليلة التى يكون في صبيحتها النوروز؛ قال: فانّ السلطان، وضع هناك رصده، ليتجسّسوا الحقيقة، كيلا يكون ذلك من المجوس أمرا مموّها؛ فلم يقفوا إلاّ على أنّهم: كلّما قربوا منها، تباعدت، وكلّما تباعدوا، قربت.
فقلت لأبى الفرج: إنّ يوم النيروز، زائل عن مكانه، لإهمال الفرس كبيستهم، فلم لا يتأخّر عنه هذا الأمر؛ وإن لم يجب تأخّر، فهل كان يتقدّم وقت استعمال الكبيسة، فلم يكن عنده جواب مقنع. وقال اصحاب النّيرنجات: من لعق يوم النوروز قبل الكلام - إذا أصبح، ثلاث لعقات عسل؛ وبخّر بثلاث قطاع من شمع، كان ذلك شفاء من الأدواء.
و قد قال بعض علماء الفرس: أنّ السبب، في تسمية هذا اليوم بالنوروز، أنّ «الصابئة» ظهرت أيّام طهمورث؛ فلمّا ملك جمّ شيذ، جدّد الدين، فسمّى ذلك الصّنيع؛ وكان النوروز يوما جديدا، وصيّر عيدا، وإن كان قبله معظّما. وقد قيل في تعييده ايضا: أنّ جمّ شيذ لمّا اتّخذ العجلة، ركبها في هذا اليوم، وحملته الجنّ والشياطين في الهواء، من دنباوند الى بابل في يوم واحد؛ فاتّخذه الناس عيدا، لما رأوا فيه من الأعجوبة، وترجّحوا بالارجوحات تشبّها به.
و زعم بعضهم: أنّ جمّ كان طوّافا في البلاد، وأنّه لمّا أراد دخول آذربيجان، جلس على سرير من ذهب، وحمله الرّجال على أعناقهم؛ فلمّا وقع عليه شعاع الشمس، ورآه الناس، استعظموه، وفرحوا به، وعيّدوا ذلك اليوم.
و كان النوروز فيه، جرى الرّسم بتهادى الناس، فيما بينهم السكّر؛ والسبب فيه - كما حكى آذرباذ موبذ بغداد - أنّ قصب السّكّر، إنّما ظهر في مملكة جمّ يوم النوروز، ولم يكن يعرف قبل ذلك الوقت؛ وهو أنّه رأى قصبة كثيرة الماء، قد مجّت شيئا من عصارتها، فذاقها، فوجد فيها حلاوة لذيذة، فأمر باستخراج مائها، وعمل منها السّكّر؛ فارتفع في اليوم الخامس، وتهادوه تبرّكا به، وكذلك استعمل في المهرجان.
و إنّما خصّوا وقت الانقلاب الصيفىّ، بالابتداء في السنة لأنّ الانقلابين، أولى أن يوقف عليهما بالآلات والعيان من الاعتدالين؛ وذلك أنّ الانقلابين، هما أوائل إقبال الشمس، الى أحد قطبى الكلّ، وإدبارها عنه بعينه؛ واذا رصد الظلّ المنتصب في الانقلاب الصيفىّ، والظلّ