صفحة رقم: 267
البسيط في الانقلاب الشّتوىّ، في أىّ موضع، اتّفق من الأرض، لم يخف على الراصد يوم الانقلاب؛ ولو كان من علم الهندسة والهيئة بأبعد البعد، لأنّ تفاضل الظّلّ البسيط مع قلّة اختلاف الميل، إذا كان الارتفاع كثيرا. فأمّا الاعتدالان، فإنّه لا يوقف على يوميهما، إلاّ بعد تقدّم المعرفة بعرض البلد، والميل الكلّىّ؛ ثمّ لا يكون ذلك ظاهرا، إلاّ لمن تأمّل الهيئة وشدا من علمها، وعرف آلات الرّصد ونصبها والعمل بها. فكان الانقلابان لهذه الأسباب، أولى بالابتداء من الاعتدالين؛ وكان الصّيفىّ منهما، أقرب الى سمت الرّءوس الشّماليّة، فآثروه على الشّتوىّ وايضا؛ فلأنّه وقت إدراك الغلاّت، فهو أصوب لافتتاح الخراج فيه من غيره. وكثير من العلماء وحكماء اليونانيّين، أقاموا الطالع لوقت طلوع كلب «الجبّار» ؛ واستفتحوا به السّنة دون الاعتدال الرّبيعى، من أجل أنّ طلوعه، كان فيما مضى موافقا لهذا الانقلاب، او بالقرب منه.
و قد زال هذا اليوم - أعنى - النوروز عن وقته، حتّى صار في زماننا يوافق دخول الشمس برج الحمل، وهو أوّل الرّبيع؛ فجرى الرّسم لملوك خراسان فيه، أن يخلعوا على أساورتهم، الخلع الربيعيّة والصيفيّة.
و اليوم السادس منه، وهو «روز خرداذ» النوروز الكبير، وعند الفرس عيد عظيم الشأن. قيل أن فيه: فرغ اللّه من خلق الخلائق، لأنّه آخر الايّام الستّة المذكورة، وفيه خلق المشترى، وأسعد ساعاته ساعات المشترى. قالوا: وفيه وصل سهم زرادشت الى مناجاة اللّه، وعرج كيخسرو الى الهواء؛ وفيه تقسم السعادات لاهل الأرض، ولذلك يسمّيه العجم يوم الرّجاء. وقال اصحاب النّيرنجات: من ذاق صبيحة هذا اليوم، قبل الكلام، السّكّر؛ وتدهّن بالزّيت، دفع عنه في عامّة سنته أنواع البلايا.
و قالوا: أنّه يرى في صبيحته على جبل بوشنج شخص صامت بيده طاقة مرو، فيظهر ساعة، ثم يغيب، فلا يرى الى مثله من الحول. وذكر زادويه في كتابه: أنّ السبب فيه، طلوع جم شيد 1 من ناحية الجنوبىّ - وهو «الافاهتر» - وذلك أنّ اللّعين إبليس، كان أزال البركة، حتّى صار الناس لا يفرقون 2 عن الطعام والشراب؛ ومنع الريح عن أن تهبّ، فيبست الأشجار، وكادت الدنيا تبطل؛ فصار جمّ بأمر اللّه وإرشاده الى ناحية الجنوبىّ، يقصد مثوى
1). داد / طز: الشمس.
2). هن: يفترون.