فهرس الكتاب
صفحة رقم: 326
فأمّا لم صارت مياه العيون في الشتاء، اغزر؟ فلانّ الغرض، في إحداث الجبال للمتقن الحكيم - عزّ وجلّ -، منافع منها، ما ذكره ثابت بن قرّة في كتابه، في السبب الّذى له خلقت الجبال؛ وهذا السبب، هو الذى يتمّم الغرض، في تصيير مياه البحور مالحة؛ ومن البيّن، أنّ وقوع الأنداء في الشتاء، أكثر منه في الصيف، وفى الجبال اكثر منه في السّهل؛ فاذا وقعت فيها، وسال ما سال بالسّيول، غاض الباقى في المجارى - الّتى - في تجاويف الجبال، وخزن هناك؛ ثمّ يأخذ في الخروج، عن المنافذ الّتى تسمّى العيون؛ فلذلك صارت في الشتاء أغزر، لأنّ مادّتها اكثر؛ فان كانت تلك التجاويف 1 طيّبة نقيّة، خرجت المياه - كما هى - عذبة، وإن لم يكن كذلك، اكتسبت فيها صنوف الكيفيّات، وتلبّست بصنوف الخواصّ، الّتى تخفى علينا عللها.
و امّا فوران العيون، وصعود المياه الى فوق، فذلك لأجل أنّ خزانتها أعلى منها، كالفوّارات المعمولة؛ فإنّ الماء، لا يصعد علوّا إلاّ لذلك؛ وكثير من الناس، ممّن يعير علم اللّه، ما جهلوه 2 من علم الطبيعيّات، نازعونى في هذا المعنى؛ واستشهدوا بمعاينتهم، صعود الماء في أنهار ومجارى مياه، كلّما تباعدت مع جرى الماء، تصاعدت؛ ولم يكن ذلك، إلاّ لجهلهم الأسباب الطبيعيّة، وقلّة تمييزهم بين الاعلى والاسفل؛ وذلك أنّهم رأوا المياه الجارية، وسط الأودية في الجبال، وهى تتسافل في مقدار ميل من الارض، خمسين ذراعا الى مائة واكثر؛ واذا حفر الزّرّاع من موضع منه جدولا، وجعل يمايله شيئا يسيرا، لم يجر فيه الماء إلاّ قليلا، حتّى يعلو على مياه الوادى علوّا مفرطا. فاذا اعتقد من لا رياضة له: أنّ مجرى الوادى على استقامة او بميل قليل، يخيّل اليه ضرورة، أنّ الجدول يصعد علوّا؛ ولا يمكن إزالة هذا الشكّ عن قلوبهم، الاّ بعد أن يتمهّروا بالآلات - الّتى - بها توزن الارضون، وتسوّى وتحفر الانهار وتكرى؛ فانّهم اذا وزنوا الارض الّتى بها تجرى تلك المياه، تبيّن لهم خلاف ما اعتقدوه، أو بعد أن يزاولوا العلوم الطبيعيّة، ويعرفوا حركة الماء الى المركز والى الموضع الأقرب منه، لا جرم أنّ الماء يصعد الى حيث أريد، ولو الى قلل اعلى الجبال، بعد أن يوجد النزول الى اسفل من مصعده، ويمنع منه ما يبادله المكان، اذا اخلاه 3، فلا يعينه على
1). عس / توپ: البحار (؟) .
2). هن: نعز على علم اللّه فاجهلوه.
3). عس / توپ: اخذه.