فهرس الكتاب
صفحة رقم: 327
فعله الطبيعىّ، إلاّ مشاركة القسرىّ الصناعىّ، وهو الهواء؛ وذلك كثيرا ما عمل في الانهار - الّتى توسّطها جبال - لم يكن قطعها.
و مثاله، الآلة الّتى تسمّى سارقة الماء؛ فانّك اذا ملأتها ماءً، ووضعت كلا طرفيها في آنيتين، سطح ما فيهما من الماء، سطح واحد. فانّ الّذى فيها من الماء، يقف ولو دهرا، لا ينصبّ الى احدى الآنيتين، لأنّها ليست بأولى من الاخرى، ولا يمكن أن يتكافأ الانصباب الى الآنيتين كليهما، لأنّ الآلة تخلوا حينئذ؛ والخلاء، إمّا غير موجود - كما عليه بعض الفلاسفة وإمّا موجود، ممسك للأجسام - كما عليه بعضهم. فاذا كان ممتنع الوجود، لم يوجد، وإذا كان ممسكا للأجسام، أمسك الماء، ولم يتركه يسيل، إلاّ بعد أن يبادله جسم آخر؛ ثمّ اذا صيّر احد طرفيها في موضع اسفل قليلا، سال اليه ما في الآنية؛ وذلك انّه لمّا سفل، صار اقرب الى المركز، فسال اليه؛ ثمّ اتّصل السّيلان بتجاذب أجزاء الماء، واتّصالها الى أن يفنى ما في الآنية المجذوب ماؤها، او يوازى سطح ماء المسيل اليها، سطح الماء المجذوب، فتؤول المسألة الى الحالة الأولى.
و على هذا المثال، عمل في الجبال، بلى قد يصعد الماء في الفوّارات من الآبار، بعد أن يوجد فيها مياه فوّارة؛ فإنّ من مياه الآبار، ما يجتمع بالرّشح من الجوانب، فذلك لا يصعد، ويكون مأخذها من المياه القريبة اليها؛ وسطوح ما يجتمع منها، موازية لتلك المياه - الّتى - هى مادّتها، ومنها ما يفور في القعر، فذاك هو المرجوّ الممكن، أن يفور الى الارض، ويجرى على وجهها؛ وأكثر ما يوجد هذا، في الارضين القريبة من جبال، بحيث لا يتوسّطها بحيرات، ولا أنهار مياه عميقة 1؛ فاذا كان مأخذه من خزانة أعلى من سطح الارض، صعد الماء بالفوران اذا حصر، وإن كانت خزانته اسفل، لم يتمّ ارتفاعه اليها، ولم ينجح؛ وربّما كانت الخزانة اعلى بألوف أذرع في جبال، فيمكن أن يصعد الى القلاع ورءوس المنارات مثلا. وقد سمعت ان باليمن، ربّما حفروا فبلغوا صخرة، يعرفون أنّ تحتها ماء؛ فينقرونها نقرة، يعرفون بتصوّتها مقدار الماء؛ ثمّ يثقبونها ثقبة صغيرة، ويرونها فإن كانت سليمة، فوّروها الى حيث فارت؛ وإذا خافوها، عجّلوا إلحامها بالجصّ والكلس، وكبس الموضع عودا على بدء؛ فان منها، ربّما يخشى شبه سيل العرم.
1). عس / توپ: عتيقة.