صفحة رقم: 038
ثمّ تاريخ أحمد بن طلحة المعتضد باللّه أمير المؤمنين، وهو على سنى الروم وشهور الفرس بمأخذ آخر، وهو أنّها تكبس في كلّ اربع سنين بيوم. وكان السبب في ذلك، على ما ذكر ابو بكر الصّولىّ في كتاب الأوراق، ووصفه حمزة بن الحسن الأصبهانيّ في رسالته في الأشعار السائرة في النّيروز والمهرجان: أنّ المتوكّل بينا هو يطوف في متصيّد له، إذ رأى زرعا لم يدرك بعد ولم يستحصد، فقال: قد استأذننى عبيد اللّه بن يحيى في فتح الخراج، وأرى الزّرع أخضر؛ فمن أين يعطى الناس الخراج؟ فقيل له: إنّ هذا قد أضرّ بالناس، فهم يقترضون ويتسلّفون وينجلون عن أوطانهم، وكثرت له شكاياتهم وتظلّمهم 1. فقال: هذا شيء أحدث في أيّامى أم لم يزل كذا؟ فقيل له: بل هو جار على ما أسّسه ملوك الفرس من المطالبة بالخراج في إبّان النيروز، وصاروا به قدوة لملوك العرب. فأحضر الموبذ وقال له: قد كثر الخوض في هذا؛ ولست أتعدّى رسوم الفرس، فكيف كانوا يفتتحون الخراج على الرّعيّة، مع ما كانوا عليه من الإحسان والنّظر؟ ولم استجازوا المطالبة بالخراج في مثل هذا الوقت الذى لم تدرك فيه الغلاّت والزروع 2؟
فقال الموبذ: إنّهم وإن كانوا يفتتحونها في النوروز، فما كان يجيء إلاّ وقت إدراك الغلاّت. فقال: وكيف ذلك؟ فبيّن له حال السنين وكمّيّاتها واحتياجها الى الكبس؛ ثمّ عرّف أنّ الفرس كانوا يكبسونها، فلمّا جاء الإسلام، عطّل؛ فأضرّ ذلك بالناس، واجتمع الدهاقنة زمن هشام بن عبد الملك الى خالد القسرىّ، فشرحوا له هذا، وسألوه أن يؤخّر النوروز شهرا، فأبى؛ وكتب الى هشام بذلك فقال: إنّى أخاف أن لا يكون هذا من قول اللّه - تعالى: إِنَّمَا النَّسِيءُ زِياادَةٌ فِي الْكُفْرِ 3. فلمّا كان في أيّام الرّشيد، اجتمعوا الى يحيى بن خالد بن برمك، وسألوه أن يؤخّر النوروز نحو الشهرين. فعزم على ذلك، فتكلّم أعداؤه فيه، وقالوا: إنّه يتعصّب للمجوسيّة، فأضرب عن ذلك؛ وبقى الأمر على حاله.
فأحضر المتوكّل، إبراهيم بن العبّاس الصّولىّ، وأمره بأن يوافق الموبذ على ما ذكره من النوروز؛ ويحسب الأيّام، ويجعل له قانونا غير متغيّر؛ وينشئ عنه كتابا الى بلدان
1). داد / طز: لهم ... ظلمهم.
2). عس / توپ: الربوع.
3). قرآن، 37/ 9.