فهرس الكتاب

الصفحة 72 من 448

صفحة رقم: 074

فأمّا أصحاب علم الهيئة، ومن تأمّل الحال بعناية شديدة، فإنّهم يعلمون أنّ رؤية الهلال، غير مطّرد على سنن واحد، لاختلاف حركة القمر المرئية، بطيئة مرّة وسريعة أخرى؛ وقربه من الأرض وبعده، وصعوده في الشمال والجنوب، وهبوطه فيهما، وحدوث كل واحد من هذه الأحوال له، في كلّ نقطة من فلك البروج. ثمّ بعد ذلك، لما يعرض من سرعة غروب بعض القطع من فلك البروج، وبطء بعض، وتغيّر ذلك على اختلاف عروض البلدان واختلاف الأهوية، إمّا بالإضافة الى البلاد الصافية الهواء بالطّبع والكديرة المختلطة بالبخارات دائما والمغبّرة في الأغلب، وإمّا بالإضافة الى الأزمنة، إذ غلظ في بعضها، ورقّ في بعض، وتفاوت قوى بصر الناظرين اليه في الحدّة والكلال؛ وأنّ ذلك كلّه على اختلافه بصنوف الاقترانات، كائنة في كلّ أوّل شهرى رمضان وشوّال، على أشكال غير معدودة، وأحوال غير محدودة، فيكون لذلك شهر رمضان ناقصا مرّة وتامّا أخرى.

و إنّ ذلك كلّه، يتفنّن بتزايد عروض البلدان وتناقصها، فيكون الشهر تامّا في البلدان الشمالية مثلا، وناقصا هو بعينه في الجنوبيّة منها، وبالعكس. ثمّ لا يجرى ذلك فيها على نظم واحد، بل يتّفق فيها ايضا حالة واحدة بعينها، لشهر واحد مرارا متوالية وغير متوالية. فلو صحّ عملهم مثلا بتلك الجداول والحسبانات، واتّفق مع رؤية الهلال او تقدّمه يوما واحدا، كما أصّلوا، لاحتاجوا الى إفرادها لكلّ عرض؛ على أنّ اختلاف الرؤية ليس متولّدا من جهة العروض فقط، لكن لاختلاف أطوال البلدان فيها، أوفر نصيب؛ لأنّه ربّما لم ير في بعض البلاد، ورأى 1 فيما كان أقرب منه الى المغرب؛ وربّما اتّفق ذلك فيهما جميعا. وذلك ممّا يحوج ايضا الى إفراد الحساب، والجداول لكلّ واحد من أجزاء الطّول. فإذن لا يمكن ما ذكروه من تمام شهر رمضان أبدا، ووقوع أوّله وآخره في جميع المعمور من الأرض متّفقا، كما يخرجه الجدول الذى يستعملونه.

فأمّا قولهم، أنّ مقتضى الخبر المأثور، تقديم الصّوم والفطر على الرّؤية، فباطل؛ وذلك أنّ حرف اللاّم يقع على المستأنف، كما ذكروه، ويقع على الماضى، كما - يقال - كتب لكذا مضى من الشهر، اى من عند مضىّ كذا، فلا يتقدّم الكتبة الماضى من الشهر؛ وهذا هو مقتضى الخبر دون الأوّل. أ لا ترى الى ما روى عنه - عليه السلام - أنّه قال: «نحن قوم أمّيّون، لا نكتب ولا نحسب

1). عس / توپ: يرى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت