صفحة رقم: 075
الشّهر، هكذا وهكذا وهكذا وهكذا»، وكان يشير في كلّ واحدة منها بأصابعه العشر، يعنى تامّا ثلاثين يوما. ثمّ اعاد فقال: «وهكذا وهكذا وهكذا» ، وخنس إبهامه في الثالثة، يعنى ناقصة تسعة وعشرين يوما. فنصّ - عليه السلام - نصّا لا يخفى على أحد، أنّ الشهر يكون تامّا مرّة، ويكون ناقصا أخرى؛ وأنّ الحكم جار عليه بالرّؤية دون الحساب بقوله: «لا نكتب ولا نحسب» .
فإن قالوا إنّه عنى بذلك، أنّ كلّ شهر تام، فإنّ تاليه ناقص، كما يحسبه مستخرجو التواريخ، كذّبهم العيان إن لم ينكروه، وعرّف تمويههم الصغير والكبير فيما ارتكبوه؛ على أنّ تتمّة الخبر الأوّل، يفصح باستحالة ما ادّعوه؛ وهو قوله - عليه السلام: «صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته؛ فإن غمّ عليكم، فعدّوا شعبان ثلاثين يوما» . وفى رواية أخرى: «فإن حال بينكم وبين رؤيته سحاب او قتام، فأكملوا العدّة ثلاثين» . وذلك لأنّه إذا عرف أنّ الهلال يرى، إمّا بجداولهم وحسابهم، وإمّا بما يستخرجه أصحاب الزّيجات؛ وقدّم الصّوم او الفطر على رؤيته، لم يحتج الى إتمام شعبان ثلاثين، او إكمال شهر رمضان ثلاثين؛ وإذا انطبقت الآفاق بسحاب او غبار، ثمّ لا يستطاع ذلك إلاّ بقضاء صوم اليوم، ولو كان شهر رمضان ايضا تامّا أبدا، ثمّ عرف أوّله، لاستغنى 1 به عن الرّؤية لشوّال.
و جرى قوله «وأفطروا لرؤيته» مجرى هذا 2، غير أنّ العصبيّة تعمى الأعين البواصر، وتصمّ الآذان السّوامع؛ وتدعو الى ارتكاب ما لا تسامح باعتقاده العقول. ولو لا ذلك، لما هجس في قلوبهم هذه الهواجس، مع ما في كتب الشيعة الزّيديّة - حرس اللّه جماعتهم - من الآثار التى صحّحها أصحابهم - رضوان اللّه عليهم - كمثل ما روى أنّ الناس صاموا شهر رمضان على عهد أمير المؤمنين - عليه السلام - ثمانية وعشرين يوما، فأمرهم بقضاء يوم واحد، فقضوه. وإنّما اتّفق ذلك لتوالى شهر شعبان وشهر رمضان عليهم، ناقصين معا؛ وكان حال بينهم وبين الرؤية لرأس شهر رمضان حائل، فأكملوا العدّة، وتبيّن الأمر في آخره. وكمثل ما روى عن أبى عبد اللّه الصّادق - عليه السلام -، أنّه قال: «يصيب شهر رمضان، ما يصيب سائر الشهور، من الزّيادة والنّقصان» ؛ وما روى عنه ايضا أنّه قال: «إذا حفظتم شعبان، وغمّ عليكم، فعدّوا ثلاثين وصوموا» ؛ وما روى عنه أنّه سئل عن الأهلّة، فقال: «هى الشهور، فإذا رأيت الهلال، فصم؛ وإذا رأيته فأفطر» .
1). عس / توپ: لا يستغنى.
2). عس / توپ: اللغو.