صفحة رقم: 076
و هذه الأخبار كلّها في كتاب الشّيعة، مقصورة على الصّوم؛ والعجب من ساداتنا عترة الرسول - عليه وعليهم السلام - أنّهم صاروا يصغون الى ذلك، ويقبلونه تأليفا لقلوب جمهور المتوسّمين بتشيّعهم، ولا يقتفون أثر جدّهم أمير المؤمنين - عليه السلام - في إعراضه عن استمالة الضالّين المعاندين، بقوله: «ما كنت متّخذ المضلّين عضدا» . فأمّا ما روى عن الصادق أنّه قال: «إذا رأيت هلال رجب، فعدّ تسعة وخمسين يوما، ثمّ صم» ؛ وما رووا عنه ايضا أنّه قال: «إذا رأيت هلال شهر رمضان لرؤيته، فعدّ ثلاثمائة واربعة وخمسين يوما، ثمّ صم في القابل؛ فإنّ اللّه - تعالى - خلق السّنة ثلاثمائة وستّين يوما، فاستثنى منها ستّة أيّام فيها خلق السّماوات والأرض، فليست في العدد» . فلو صحّت الرّواية عنه، لكان إخباره عن ذلك على أنّه أكثر في الوجود في بقعة واحدة، ولا مطّرد في جميع البقاع، كما ذكرنا. وأمّا تعليل الأيّام الستّة بهذه العلّة، فتعليل ركيك، يكذّب الرّواية وتبطل له صحّتها.
و قد قرأت فيما قرأت من الأخبار أنّ أبا جعفر محمّد بن سليمان عامل الكوفة من جهة المنصور، حبس عبد الكريم بن أبى العوجاء، وهو خال معن بن زائدة، وكان من المانويّة؛ فكثر شفعاؤه بمدينة السلام، وألحّوا على المنصور، حتّى كتب الى محمّد بالكفّ عنه؛ وكان عبد الكريم يتوقّع ورود الكتاب في معناه، فقال لأبى الجبّار، وكان منقطعا اليه، إنّ أخّرنى الأمير ثلاثة أيّام، فله مائة ألف درهم. فأعلم أبو الجبّار محمّدا، فقال له: ذكّرتنيه، وقد كنت نسيته، فإذا انصرفت من الجمعة، فأذكرنيه. فلمّا انصرف، ذكّره إيّاه؛ فدعا به، فأمر بضرب عنقه. فلمّا أيقن أنّه مقتول، قال: «أما واللّه لئن قتلتمونى، لقد وضعت أربعة آلاف حديث، أحرّم فيها الحلال، وأحلّ بها الحرام؛ ولقد فطّرتكم في يوم صومكم، وصوّمتكم في يوم فطركم» . ثمّ ضربت عنقه، وورد الكتاب في معناه بعده؛ وما أحقّ هذا الرجل الملحد، بأن يكون متولّى هذا التأويل الرّكيك الذى ذهبوا اليه واصله.
و قد جرى بينى وبين أهل هذه الفرقة، كلام في الخبر المسند؛ فألزمته أمثال هذه اللوازم المذكورة. فأظهر في آخر الأمر، أنّ ذلك من موجبات اللّغة، وبينها وبين الشريعة وتوابعها بون. فقلت له: «عافاك اللّه! وهل خاطبنا اللّه ورسوله، إلاّ باللغة المتعارف بها بين العرب؟ وإنّما بينك وبين لغة العرب بون أبعد، بل أنت من علم الشريعة بمعزل، ودعها، وارجع الى علماء الهيئة،