وعن أبي هريرة رضي الله عنه عند قوله تعالى: {كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ .. } قال:"خير الناس للناس، تأتون بهم في السلاسل في أعناقهم حتى يدخلوا في الإسلام"، رواه البخاري، وروى أحمد بسندٍ صحيح عن أنسٍ رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لرجل:"أسلم، قال: أجدني كارهًا، قال: وإن كنتَ كارهًا".
وهل يُغيظُ أعداءَ الله إلا الجهاد؟ فهذا قائدهم إبليس كان يوم بدرٍ يشجّع الكفار ويعدهم ويمنيّهم، فلما رأى الملائكة، هرب وألقى نفسه في البحر، قال تعالى: {وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لاَ غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَّكُمْ فَلَمَّا تَرَاءتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِّنكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لاَ تَرَوْنَ إِنِّيَ أَخَافُ اللّهَ وَاللّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ}
وفي الموطأ مرسلًا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"ما رؤيَ الشيطان أحقرُ ولا أدحرُ ولا أصغرُ من يوم عرفة إلا ما رأى يومَ بدر، قيل: وما رأى يوم بدرٍ يا رسول الله؟ قال: أما إنه رأى جبريل يزع الملائكة". فإبليس عدو الله يسعى جهده في إطفاء نور الله وتوحيده، ويغري بذلك أولياءه من الكفار والمنافقين، ويستخف بهم، وكذلك شياطين الإنس اليوم، كما يحصل من طواغيت الجزيرة في تشجيعهم لعبيدهم من المباحث والشُرَط ويعدونهم ويعدون شعوبهم بالأموال والعطايا والتوسيع عليهم في أمور دنياهم، قال تعالى: {يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلاَّ غُرُورًا} ، وكما قال السحرة لفرعون: {إِنَّ لَنَا لأَجْرًا إِن كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ قَالَ نَعَمْ وَإَنَّكُمْ لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ} وهكذا أيضًا استخفّ هؤلاء الطواغيت بأنكم تكونوا شهداء للوطن بعد موتكم ويصلي عليكم أمير المنطقة وتُرفّعُ رتبةً بعد موتك وقد ضُمَّ عليكَ قبرك واختلفت أضلاعك وجاءك عملك الخبيث - قتالك حمايةً للصليب ودفاعًا عن الطواغيت - وفُتِحَ لك باب إلى النار وهي دارك؛ فماذا تقول؟ رب لا تقم الساعة؟ ثم يوم القيامة كلما دخلت أمةٌ لعنت أختها.
فيا أهل الجهاد في كل مكان: إن في رمضان لجهادَين؛ جهادٌ في النهار بالصيام، وجهادٌ في الليل بالقيام، فقم أيضًا بجهاد عدوك باليد وقدّم نفسك ومالك لقتال عدوك؛ اقتداءً بنبيك صلى الله عليه وسلم في شهر رمضان، وإغاظةً لعدوك.
فالله الله يا أهل الجهاد، فنصرُ دينِ الله يكون كما قال تعالى: {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلّه} ، وقد امتلأت البلاد من الفتن والكفر، فيا أهل الجهاد طهّروا البلاد من الكفر والكافرين بالجهاد والجلاد والسيف والسنان، ولا تغتروا بقوة الكفار، فإن قوتهم مهما عظمت فهي تحت قهر الله وتدبيره، واعلموا أن الله ناصركم ومؤيدكم كما وعدكم، واستغلّوا هذا الشهر العظيم، فإنه قد جمعَ أعمالًا عظيمة، وقد اجتمع في هذا الشهر صيام وقيامٌ وتلاوةٌ للقرآن وغير ذلك من الأعمال الصالحة، إذًا استعينوا بربكم وقاتلوا عدوكم، وطهّروا الجزيرة من الكفار، طهّر الله قلوبكم وأعمالكم من الذنوب والعصيان، قال ابن حزم رحمه الله:
مناي من الدنيا علومٌ أبثها ... وأنشرها في كل بادٍ وحاضرِ
دعاء إلى القرآن والسنن التي ... تناسى رجالٌ ذكرها في المحاضر
وألزمُ أطراف الثغور مجاهدًا ... إذا هيعةٌ ثارت فأول نافرِ
لألقى حِمامِي مقبلًا غيرَ مدبرٍ ... بسُمْرِ العوالي، والرقاقِ البواترِ
كفاحًا مع الكفار في حومة الوغى ... وأكرمُ موتٍ للفتى قتلُ كافرِ
فيا رب لا تجعل حِمامِي بغيرها ... ولا تجعلنّي من قطينِ المقابر