16 ـ و قال محمد بن كعب القرظي في الزهد لابن مبارك: لأن أقرأ
(( إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ ) )و (( الْقَارِعَةُ ) )أرددهما و أتفكر فيهما أحب إلي من أن أبيت أهُذُوا القرآن.
17 ـ وقد قام أبو حنيفة ليلة كاملة بهذه الآية: (( بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ ) ). يرددها ويبكي ويتضرع.
18 ـ قال أبو سليمان الداراني: (( ربما أقوم خمس ليالي متوالية بآية واحدة أرددها وأطالب نفسي بالعمل بما فيها ولو لا أن الله يمن علي بالغفلة لما تعديت ذلك الآية طول عمري لأني لي من كل تدبر علمًا جديدًا، والقرآن لا تنقضي عجائبه ) ).
19 ـ وقال أحد السلف: آية أقرأها لا أعقلها ولا أتفهم معناها لا أعد لها ثوابًا.
20 ـ قال أحمد بن الحواري: (( إني لأقرأ القرآن فأنظر فيه آية آيةً فيحار عقلي فأعجب من حفاظ القرآن كيف يهنيهم النوم ويسعهم أن يشتغلوا بشيء من الدنيا وهم يتلون كلام الرحمن ) )
21 ـ وقال أحدهم: إني لأفتح السورة فيمنعني بعض ما أشاهد فيها من الفراغ منها حتى يطلع الفجر.
22 ـ يقول ابن القيم: فليس شيء أنفع للعبد في معاشه ومعاده وأقرب إلى نجاته من تدبر القرآن وإطالة التأمل فيه وجمع الفكر على معاني آياته فإنها تطلع العبد على معالم الخير والشر بحذافيرها وعلى طرقاتها وأسبابها وغاياتها وثمراتها وتثبت قواعد الإيمان في قلبه وتحضره بين الأمم وتريه أيام الله فيهم وتبصره مواقع العبر وتشهده عدل الله وفضله وتعرفه ذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله وما يحبه وما يبغضه وصراطه الموصل إليه وما لسالكيه بعد الوصول والقدوم عليه وقواطع الطريق وآفاتها وتعرفه النفس وصفاتها ومفسدات الأعمال ومصححاتها وتعرفه طري أهل الجنة وأهل النار وأعمالهم وأحوالهم وسيماهم.
فقراءة القرآن بالتفكر هي أصل صلاح القلب ولهذا قال ابن مسعود
(( لا تهذوا القرآن هذو الشعر ... ) ).
وبالجملة تعرفه الرب المدعو إليه والطريق الموصل إليه وما له من الكرامة إذا قدم ليه. وتعرفه في مقابل ذلك ثلاثة أخرى وهي ما يدعو إليه الشيطان والطريق الموصلة إليه وما للمستجيب لدعوته من الإهانة والعذاب بعد الوصول إليه.