الصفحة 29 من 33

وردت صيغة اسم المكان"مسجد"مفردًا في اثنين وعشرين موضعًا، كما وردت صيغة اسم المكان للجمع"مساجد"في ستة مواضع كما ذكرنا سابقًا، وكما هو واضح فإن عدد المواضع التي وردت فيها صيغة اسم المكان مفردًا وجمعًا ثمانية وعشرون موضعًا، وهي تعدل ثلث عدد ألفاظ السجود الواردة في القرآن الكريم كما بينّا.

ولعل ذلك يرجع إلى أن المسجد هو بيت الله في أرضه، وهو أول بيت وضع للتوحيد؛ لأن العبادة هي الهدف الرئيس الذي من أجله تبنى المساجد. وكذلك فإن المسجد مركز الإيمان والهداية، وهو القاعدة القوية ضد الظلم والاستغلال، وتنطلق منه محاربة أعداء الدين.

ولأجل تلك المعاني كانت الحاجة للمكان الذي تقام فيه العبادة بالصلاة؛ بركوعها، وسجودها، وتتوافد عليه الناس من كل مكان لثبوته، وعدم تغير موضعه مع مرور الزمان، وتعاقب بني الإنسان. ولعل هذه المكانة الدينية، والقيمة الاجتماعية للمسجد تفسر اهتمام الإسلام بالصلاة، باعتبار أن السجود في أصله التطامن والتذلل، وهو عام في الإنسان والحيوانات، وهو نوعان [1] :

* النوع الأول: سجود اختيار؛ وليس ذلك إلا للإنسان، وبه يستحق الثواب، قال تعالى: {فاسجدوا لله واعبدوا} . النجم:62؛ أي: تذللوا له.

* النوع الثاني: سجود تسخير؛ وهو للإنسان والحيوانات والنبات، ومن ذلك قوله تعالى: {ولله يسجد من في السموات والأرض طوعًا وكرهًا} . الرعد:15. وقوله تعالى: {يتفيأ ظلاله عن اليمين والشمائل سجّدًا لله} . النمل:48.

فهذا سجود تسخير، وهو الدلالة الصامتة الناطقة المنبهة على كونها مخلوقة، وأنها خلق فاعل حكيم، وقوله تعالى: {والنّجم والشجر يسجدان} . الرحمن:9. وقوله تعالى: {ولله يسجد ما في السموات وما في الأرض من دابّة والملائكة وهم لا يستكبرون} . النحل:49. ينطوي على النوعين من السجود: التسخير، والاختيار. ولا شك أن السجود في ذاته عبادة؛ إذ إنه يمثل غاية الخضوع؛ بل هو أبلغ صور التذلل لله؛ لأنه يربط بين الصورة الحسية، والدلالة المعنوية للعبادة، في ذلة العبد، وعظمة الربّ، وافتقار العبد لخالقه، ولا يكون الإنسان عبدًا لله إلا بالتذلل بهذه العبودية. ومن هنا يظهر سرّ اختصاص السجود بالقرب من الله. قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد فأكثروا الدعاء [2] .

(1) المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم: محمد فؤاد عبد الباقي، ص:423.

(2) مختصر صحيح مسلم: باب الدعاء في السجود، حديث رقم (298) ، ص 102.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت