المبحث الثالث
الأبعاد الإستراتجية للمخاطر والتأمين
تمثل ذاكرة الإنسان ماضيه، وهذا الماضي مرتبط بشكل وثيق بماضي آبائه وأجداده، ومتصل مباشرة بحاضر أبنائه. فذاكرة إنسان اليوم هي امتداد لأول إنسان على سطح الأرض حتى الآن، وهذا أساس استمرار الحياة وتطورها، باعتبار أن ذاكرة الأمة هي مجمل المعلومات المتعلقة بنتاج الأمة في السابق، والذي يمثل تفاعل التاريخ والجغرافيا منذ نشأة الأمة حتى يومنا هذا، بفرض أن الأمة هي تاريخ وجغرافيا ومجموعة عوامل تربط التاريخ والجغرافيا بشكل وثيق وعضوي بالمجموعات الإنسانية الحالية، حيث تشكل هذه المجموعات البشرية بمجموعها وتفاعلها كيان الأمة التي تشترك في صنع المستقبل كامتداد للماضي والحاضر.
أن الخطر المتعلق بالماضي (ذاكرة الأمة) يتمثل باندثار القوميات والحقوق القومية للأمم، بالإضافة للتراث، والتاريخ، والجغرافيا. هذا الخطر سببه التطور التكنولوجي والتقاني المرتبط بحضارة الإنسان، حيث أصبح كل ما يتعلق بذاكرة الأمة سجين التقانة، وخاضع للسيطرة التكنولوجية بأشكالها المختلفة. فالتطور التقاني حسَن إمكانيات توسيع وتطوير ذاكرة الأمم، لكنه بالوقت نفسه أصبح مصدرًا لأخطار أكثر شمولية وكارثية، وهذا ما نلاحظ آثاره في وقتنا الحاضر على أكثر من صعيد.
لقد حررت ثورة السوبر تكنولوجيا ذاكرة الأمم (الماضي) من أخطار كثيرة تتعلق بنزوات المؤرخين، وأحلام السياسيين، وجمود الطرائق والأساليب والوسائل القديمة المستخدمة للحفاظ على ذاكرة الأمة كرسوم الخطاطين وتجسيمهم لذاكرة الأمة في بطون الكتب وغيرها. وأصبح بمقدور الإنسان التحاور مع التاريخ، والانتقال على بقعة الجغرافيا، والاستفادة من المعلومات المتراكمة التي يريدها بالطريقة الملائمة لأهدافه.
إن لتطور الأسلوب والطريقة (التكنولوجيا) ، بالإضافة لتطور الوسيلة والأداة (التقانة) الأثر الأكبر في حفظ أو إظهار أجزاء من تراث الأمم الغابرة. فالارتباط الوثيق والعلاقة العضوية بين التكنولوجيا وذاكرة الأمة له امتداده وأثره العميق على الحاضر، وهذا الارتباط كان ومازال عاملا هاما لتطور كل من التكنولوجيا والتقانة، وارتقاء ذاكرة الأمم لدرجات عالية. ويمكن تحديد نقاط الارتباط بينهما بشكل واضح مع اختراع جوتبزغ وآخرون أول آلة طباعة في القرن الخامس عشر. وكان الاندماج كاملا بين ذاكرة الأمة ومقومات وجودها الحالية من جهة والتكنولوجيا من جهة أخرى في عصر السوبر تكنولوجيا، من خلال اندماج المعلومات المتعلقة بالعلوم والمعرفة والتاريخ والجغرافيا والثقافة والطرائق والأساليب في منتجات التقدم العلمي. بل أصبحت هذه المعلومات هي المادة الأساسية لعمل التقانة في الوقت الحاضر، وربما تأخذ في المستقبل بعدًا أوسع.
مع هذا التطور الكبير ظهر الخطر في سوء تنظيم وإدارة المعلومات إلى جانب الخطر المتعلق باحتكار التكنولوجيا والتقانة من قبل أمم متطورة وحرمان الأمم الفقيرة من