عوامل التطور هذه، فمثلا إمكانية الاستفادة من أبحاث الفضاء أو خدمات الأقمار الصناعية تبقى احتكارًا لصالح بعض الشعوب حتى أن أسرار الشعوب أصبحت أسيرة مالكي التكنولوجيا والتقانة في الدول المتقدمة (مثلًا: تحويلات الدولار الأمريكي، تخصيب اليورانيوم ) .
هل تتمثل أخطار المستقبل في احتكار التقانة والتكنولوجيا وفي سوء تنظيم وإدارة المعلومات فحسب، طبقا لها، فمع ازدياد الإمكانيات التقنية والتكنولوجية لمعالجة واختزان المعلومات، نرى أن ماضي البشرية وحاضرها ومستقبلها أصبح سجين التكنولوجيا والتقانة. ومع ظهور أول خطر مرتبط بالتكنولوجيا (فيروس الكمبيوتر) ، بدأنا نرى مستقبلا ضبابيا يعصف بعناصره الحاضرة، وهذا ما نلاحظه من خلال مراقبة دقيقة للأحداث المتسرطنة في السنوات العشر الأخيرة في حقل التقانة والتكنولوجيا. وأن هذه المخاطر ظهرت بشكل مباشر في حسابات البورصة أو في فواتير البرق والهاتف والغاز والكهرباء أو في مراقبة وتوجيه محطات الطاقة بمختلف مصادرها وعملياتها وحادث تشرنوبيل عام 1986 دليل على حجم الكارثة الناتجة عن الخطر التكنولوجي. ولا ننسى الهواجس والقلق الذي تعرضت له البشرية مع نهاية الألفية الثانية وبدأ الألفية الثالثة.
لقد أجهدت البشرية نفسها على مر العصور في الحفاظ على التاريخ والجغرافيا وكافة عناصر استمرارها على هذا الكوكب، و ضحت مجتمعات كثيرة بأبنائها ليبقى التاريخ مليء بالانتصارات والجغرافيا واضحة المعالم. وطوَر الإنسان الطرائق والوسائل تبعًا لتطور إمكانياته وقدراته الموظفة لخدمة هذه الغاية، فبدأ بالنقش على الحجر والطين وتدرج في التطور بهدف تقوية وتحسين ذاكرة الأمة، وهكذا اقترن التاريخ بالأساطير وامتلأت الجغرافيا بالعمران ومعالم الحضارة والأوابد التاريخية.
إن تطور ذاكرة الأمة كان من خلال نقل وتخزين المعلومات وتوريثها للأجيال باستخدام أساليب ووسائل مختلفة، وكان الهدف الأساسي الاستمرار في الحياة والتطور. لكن المخاطر والكوارث التي رافقت تطور الأمم استطاعت أن تزيل أمم وحضارات وقلة قليلة استطاعت أن تحفظ شروط وعناصر استمرارها بتحنيط نفسها بأشكال متعددة. لكن في ضوء المخاطر الحالية المرافقة للتطور التكنولوجي سواء على صعيد درجة تسارع التقدم أو فيما يتعلق بمادة عمل التقانة الحديثة كخزن المعلومات ومعالجتها والاستفادة منها وتداولها، والتي بها ومن خلالها تتم السيطرة والتحكم في برامج العمليات المختلفة المرافقة لتطور البشرية، نرى أننا أمام أخطار نوعية جديدة لها صفة الشمولية المكانية، والزمانية. أي أخطار تمتد إلى عمق التاريخ وعمق المستقبل وتشمل كل مكان، أي أنها أخطار عالمية كارثية.
يتمثل خطر الموجة الثالثة بسلطة المعرفة وقوة المعلومات وثقنياتها [1] . وسوف تكون نتائج هذه الموجة وأثارها كبيرة على عادات وتقاليد وثقافة وسلوكيات الشعوب
(1) قزانجي، فؤاد يوسف، معنى المعلومات ومتغيراتها وتأثيرها على المجتمع العربي، مجلة المنصور- العدد الرابع (عدد خاص) - كلية المنصور الجامعة- بغداد 2002.