لمن إن مكن في الأرض أقام الصلوات الخمس وآتى الزكاة المفروضة، وأمر بالمعروف، ونهى عن المنكر، والله لا يخلف وعده" [1] ."
ومن اللطائف التي ذكرها الأستاذ سيد قطب رحمه الله في تفسير هذه الآية قوله:"لقد ضمن الله للمؤمنين أنه سيدافع عنهم، ومن يدافع الله عنه فهو ممنوع حقًا من عدوه ظاهرٌ حتمًا عليه، ولكن الله سبحانه لم يرد أن يكون حملة دعوته وحماتها من الكسالى الذين يجلسون في استرخاء ثم يتنزل عليهم نصره سهلًا هينًا بلا عناء، بل جعل نصره لهم ودفاعه عنهم عن طريقهم هم أنفسهم، فالبنية الإنسانية لا تستيقظ كل الطاقات المذخورة فيها كما تستيقظ وهي تواجه الخطر، وهي تدفع وتدافع، وهي تستجمع كل قوتها لتواجه القوة المهاجمة، والنصر السريع الذي لا يكلف عناء، والذي يتنزل هينًا لينًا على القاعدين المستريحين يعطل تلك الطاقات عن الظهور، وأيضًا فالنصر السريع يسهل فقدانه وضياعه لأنه رخيص الثمن لم تبذل فيه تضحيات، ولأن الذين نالوه لم تدرب قواهم على الاحتفاظ به ولم تشحذ طاقاتهم وتحشد لكسبه، وبالتالي لا تتحفز ولا تحتشد للدفاع عنه، من أجل هذا كله جعل الله دفاعه عن الذين آمنوا يتم عن طريقهم أنفسهم، ولم يجعله لقية تهبط عليهم من السماء بلا عناء."
وللنصر تكاليفه وأعباؤه حين يتأذن الله به بعد استيفاء أسبابه وأداء ثمنه وتهيؤ الجو حوله لاستقباله واستبقائه، فالله ينصر من ينصره، ينصر الذين ينصرون نهجه معتزين بالله وحده دون سواه، والنصر الذي يعد الله به هو النصر القائم على أسبابه ومقتضياته المشروط بتكاليفه وأعبائه، فهو نصر له سببه، وله ثمنه، وله تكاليفه، وله شروطه فلا يعطى لأحد جزافًا أو محاباة [2]
4 -ومن المبشرات القرآنية أيضًا قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ فِي الْأَذَلِّينَ * كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ} [3] .
فهذه الآية الكريمة تتحدث عن سنة ثابتة من سنن الله، وتبين أن الذين يحادون الله ورسوله سيلحقهم الذل في الدنيا والآخرة، وقد قضى الله سبحانه قضاء ثابتًا بالذلة للكافرين وأعداء الدين، والغلبة لرسله وأوليائه، وهذه الغلبة على نوعين: فمن يؤمر منهم بالحرب فهو غالب بالحرب، ومن لم يؤمر بالحرب فهو غالب بالحجة [4] .
(1) فتح القدير، للشوكاني، ج 3، ص 456، 457.
(2) انظر: في ظلال القرآن، ج 4، ص 2426 - 2428.
(3) سورة المجادلة: الآيتان 20، 21.
(4) انظر: لباب التأويل في معاني التنزيل، للخازن، ج 4، ص 264.