فالمؤمن يجب أن يتعامل مع وعود الله بالغلبة والنصر والتمكين على أنها هي الحقيقة الواقعة، رغم ما نراه من أحوال المسلمين اليوم وواقع حياتهم، وصور الحروب الهائلة والمتنوعة التي يشنها أعداء الدين على أهل الإيمان، حيث يقتلون العباد، ويقطعون الأرزاق، وينتهكون الحرمات، ويدنسون المقدسات، ويهلكون الحرث والنسل، ويتسلطون على المسلمين في بلادهم بكل أنواع النكاية، وبكل أساليب البطش والتنكيل والهلاك، والتي أفقدتهم إنسانيتهم، وأظهرت حقدهم الدفين وأفكارهم الماكرة، ومع ذلك بقي الإيمان في قلوب المؤمنين يحميهم من الانهيار والضياع، والذوبان في الأمم المستعمرة، فحين ينظر الإنسان إلى هذا الواقع يشعر بمعية الله، وقرب تحقق وعد الله وأن الذين يحادون الله ورسوله مهما علوا في الأرض فهم الأذلون، وأن الله ورسله وأوليائه هم الغالبون.
5 -ومن المبشرات القرآنية على غلبة الدين ونصر أتباعه الإخبار بضعف كيد الكفار وضلال سعيهم في النيل من الإسلام وفشل كيدهم في الصد عنه والتآمر عليه وذلك في قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ} [1] .
فهذه الآية نزلت بعد هزيمة المشركين في غزوة بدر كما يقول ابن كثير رحمه الله:"لما أصيبت قريش يوم بدر مشى عبد الله بن أبي ربيعة وعكرمة بن أبي جهل وصفوان بن أمية في رجال من قريش أصيب آباؤهم وأبناؤهم وإخوانهم ببدر فكلموا أبا سفيان بن حرب ومن كانت له في تلك العير من قريش تجارة فقالوا: يا معشر قريش إن محمدًا قد وتركم وقتل خياركم فأعينونا بهذا المال على حربه لعلنا أن ندرك منه ثأرًا بمن أصيب منا ففعلوا، فأخبر تعالى أن الكفار ينفقون أموالهم ليصدوا عن اتباع طريق الحق فسيفعلون ذلك ثم تذهب أموالهم ثم تكون عليهم حسرة، أي ندامة، لأنهم أرادوا إطفاء نور الله وظهور كلمتهم على كلمة الحق والله متم نوره ولو كره الكافرون، وهو سبحانه مظهر دينه على كل دين، فهذا الخزي لهم في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب النار، فمن عاش منهم رأى بعينه وسمع بأذنه ما يسوءه، ومن قتل منهم أو مات فإلى الخزي الأبدي والعذاب السرمدي [2] ."
وفي ذلك تحفيز ضمني للمسلمين بأن يتجمعوا حول دينهم وأن ينفقوا الغالي والنفيس في الذود عنه ودحض وصد الاعتداءات عليه، فإذا كان أهل الباطل ينفقون أموالهم للدفاع عن باطلهم ولا يبخلون فجدير بأهل الحق أن يكونوا أحرص على الإنفاق في سبيل الله والبذل
(1) سورة الأنفال: آية 36.
(2) انظر: تفسير القرآن العظيم، ج 2، ص 307.