ومن نفس الباب ايضا المخاطرة التي ترافق مشاريع التنمية، كبناء المصانع، واستصلاح الأراضي ونحوها. كثير من المشاريع التنموية تنطوي على درجة مرتفعة نسبيا من المخاطرة، نظرا لافتقار المجتمع النامي الى بعض البنى التحتية والمرافق، بالإضافة الى حداثة أنواع التقنية المستوردة بالنسبة للمجتمع. كما أن مشاريع التنمية هى مشاريع طويلة الأجل، تحتاج الى بضع سنوات حتى يبدأ المشروع في إدرار الربح. وهذا النمط من المشاريع يصعب تمويله من خلال وسائل التمويل الإنمائية، التي تضطلع بها مؤسسات التمويل ذات الخصوم قصيرة الأجل، لأنها تتطلب تسديد أقساط الائتمان بصفة دورية بعد فترة قصيرة من بداية المشروع، بينما غالبية هذه المشاريع تكون تدفقاتها النقدية منخفضة جدا أو سالبة في المراحل الأولى من حياتها.
أضف الى ذلك أن أكثر الشركات والمشاريع القائمة هى مشاريع صغيرة أو ناشئة، وبالرغم من أن الدراسات (20) دلت على أن المشاريع الصغيرة أقدر على الإختراع والإبداع التقني من الشركات الكبيرة، إلا أن هذه الشركات لم تمتلك بعد قاعدة قوية من الأصول ورؤوس الأموال، وترتفع من ثم احتمالات إفلاسها أو إخفاقها. مثل هذا النوع من المشروعات لا تصلح له وسائل التمويل التقليدية، خاصة الدين، لأن الدائن يتجنب عن قصد أى مشاريع ذات مخاطرة عالية، ويركز تمويله للشركات والمؤسسات المستقرة ذات السمعة المالية الجيدة. ومعنى هذا أني البنوك لا تتشجع كثيرا على تمويل هذه المشاريع، وتلجأ من ثم الى استثمار أموالها في الدول الصناعية، حيث يمكنها الحصول على عوائد مضمونة.
ونظرا لعدم ملائمة التمويل بالدين لهذا النمط من المشاريع، لم تكن سياسة البنك الدولي في تمويل التنمية بواسطة قروض طويلة الأجل مجدية كثيرا. وقد اعترفت الباحثة ساجاري (21) من البنك الدولي بهذه الحقيقة، وانتقدت هذا الأسلوب في التمويل. ثم قدمت أسلوب رساميل المخاطرة بدلا لأسلوب الإقراض العادي الذي"لا يستطيع أن يتعامل بكفاءة مع مشكلات الشركات الصغيرة والناشئة" (22) . ويبدو أن البنك الدولي قد أخذ هذه المقترحات مأخذ الجد، فقد ذكر بوند وكارتر (23) أن شركة التمويل الدولي International Finance Corporation (IFC) ، وهى تابعة للبنك، ساهمت مؤخرا في إنشاء عدة صناديق لرساميل المخاطرة لتمويل مشاريع التنمية في أمريكا اللاتينية، ووسط أوروبا، وآسيا. ولا شك أن هذا يعتبر نقلة نوعية في النظر