بالبينة (1) ·
بعد هذا العرض نستطيع القول بأن الأولى عدم القول بخيار المجلس، وهو ماذهب إليه الحنفية والمالكية، وذلك للأسباب الآتية:
1 -القول بخيار المجلس يقتضي تعليق مصير العقد إلى حين انفضاض المجلس، ولما كان وقت انفضاض المجلس غير منضبط، لأنه متوقف على التفرق، والخلاف في التفرق كبير، كما أنه قد يكون بالإكراه أو بالموت، وهذا يؤدي إلى الإخلال باستقرار التعامل ...
2 -القول بخيار المجلس يزعزع من قوة العقد الملزمة، كما أنه إهدار لحرمة العقد باستقلال أحد المتعاقدين بفسخه بعد تمامه عن طريق خيار المجلس، هذا إلى أن القول بخيار المجلس يجعل هناك مجلسين لامجلسًا واحدًا، مجلس العقد، ومجلس الخيار ·
3 -أما الحديث الذي يستدل به القائلون بخيار المجلس، فقد كثرت فيه الروايات ولعل خير ما يقال فيه: إن الخيار الذي جاءت به السنة هو بين قول البائع قد بعتك وبين قول صاحبه قد قبلت منك، للمخاطب بالبيع الرجوع قبل قبول صاحبه عما قال، وللمخاطب قبول ذلك القول مالم يفترق هو وصاحبه بأبدانهما، فإذا افترقا ببدنيهما لم يكن له أن يقبل بعد ذلك (2) ·
هذا نوع آخر من الخيارات أثبته الحنفية (1) ، لحاجة الناس إليه في معاملاتهم · صورته:
أن يتبايع اثنان من غير دفع الثمن على أن يؤدي المشتري الثمن في مدة معينة، وإن لم يؤده في هذه المدة فلا بيع بينهما، فإذا قبل الطرف الآخر هذا الشرط صح البيع والشرط معًا ·
وعلى المشتري أن ينقد الثمن، في المدة المحددة، فإن فعل ذلك لزم البيع، وإن لم يفعل، كان البيع فاسدًا، إذا بقي المبيع على حاله لم يتغير ·
وهذا الخيار كما يثبت للمشتري، يثبت للبائع، بأن يدفع المشتري الثمن ويجعل للبائع الخيار في رد الثمن، في مدة معينة، فيقول له: إن رددت الثمن في هذه المدة، فلا بيع بيننا، ويقبل البائع ·
ففي هذه الصورة يثبت الخيار للبائع في رد الثمن إلى المشتري، فإن رده ارتفع البيع وإن لم يرده لزم العقد ·
وهذا الخيار جائز، استحسانًا، على خلاف القياس، ولذلك منعه زفر لتمسكه في الغالب بالقياس، ووجه الاستحسان: أن الحاجة قد تدعو إلى مثل هذا النوع من الشروط، وهو في الحقيقة نوع من خيار الشرط، لأن الخيار هنا يثبت بالشرط، ولو لا الشرط ماثبت ·
وقد اتفق القائلون بهذا الخيار على صحته، إذا حددت المدة بثلاثة أيام أو أقل كيوم أو يومين، واختلفوا فيما إذا كانت المدة معلومة أكثر من ثلاثة الأيام، كأربعة مثلًا فأبو حنيفة يقول بفساد البيع، ومحمد يقول بصحته ومعه أبو يوسف في قوله الأخير، والخلاف هنا كالخلاف في خيار الشرط · وهذا الخيار لايورث، باتفاق القائلين به، لأنه رغبة ومشيئة، والرغبات ليست محلًا للإرث، وهذا الحكم يستوي فيه ما إذا كان الخيار للبائع أو المشتري، إلا أنه إذا كان الخيار للبائع في رد الثمن يلزم البيع بموته، لأن الموجب لإمضاء العقد هو عدم رد الثمن، وقد تحقق عدم الرد بموته · وإذا كان الخيار للمشتري في نقد الثمن يبطل البيع بموته حيث كان الموجب للإمضاء هو نقد الثمن ولم يتحقق النقد قبل موته، ويتعذر بعد موته حيث لايخلفه أحد فيه (1) ·
7 -"خيار التدليس"