2."لو كان تضمين الأمين من غير تعدٍ أو تفريط يهدم أصلًا شرعيًا، أو يخالف نصًا ثابتًا، لما ساغ لأحدٍ من الفقهاء أن يقول بتضمين الأمين للتجهيل، أو للتهمة، أو للمصلحة، أو للعرف والعادة ... ، ولما وقع اختلاف بين الفقهاء في العديد من الأيدي: هل هي يد أمانة فلا تضمن بدون تعد أو تفريط، أم يد ضمان فتضمن مطلقًا كيد المستعير والمرتهن والوكيل بأجر والصانع ..." (انظر حماد ص 48) .
3.أباح الله -تعالى- للمكلف تنويع أحكامه بالأسباب التي ملكه إياها، فيباشر من الأسباب ما يحل له بعد أن كان حرامًا عليه، أو يحرمه عليه بعد أن كان حلالًا له. فكما أن نكاح المرأة يحل له ما كان حرامًا عليه قبله، وطلاقها يحرمها عليه ويسقط عنه ما كان واجبًا عليه من حقوقها، كذلك التزامه بالعقد، فإذا ملك تغيير الحكم بالعقد ملكه بالشرط الذي هو تابع له، فإذا تراضى المتبايعان على شرط لا يخالف حكم الله جاز لهما ذلك، ولا يجوز إلغاؤه ولا إبطاله، وإلزامهما بما لم يلتزماه ولا ألزمهما الله ولا رسوله به، ومحرم الحلال كمحلل الحرام (انظر ابن قيم الجوزية 1/ 348 - 349) .
4.إذا كانت المصلحة العامة وصيانة أموال الناس قاعدة معتبرة شرعًا في جعل يد المضارب ضامنة جبرًا بغير رضاه في حالتي التعدي أو التفريط؛ فلئن تعتبر ضامنة برضاه واختياره عند اشتراطه ذلك على نفسه في العقد، أو اشتراطه عليه، وقبوله به أولى. وليس أدل على أن اشتراط الضمان على المضارب حاجة معتبرة ومصلحة راجحة من أمرين:
الأول: أن هذا الاشتراط عمل مقصود للناس يحتاجون إليه؛ إذ لو لا حاجتهم إليه لما فعلوه، فإن الإقدام على الفعل مظنة الحاجة إليه. فصاحب المتاع لا يلجأ عادة إلى اشتراط الضمان على الأمين إلا حيث لا تتوفر الثقة الكافية بأمانته وقيامه بحفظ ما اؤتمن عليه لصاحبه، ولا تتحقق طمأنينته بإمكان إثبات تعديه أو تفريطه إن وقع وادعى الهلاك والضياع بدون ذلك؛ ولهذا فإنه صيانةً لماله وسدًا لذريعة إتلافه وتضييعه عليه يشترط على الأمين ضمانه.
وحيث لم يثبت تحريم الضمان بنص فإنه يلزم القول بإباحته وصحته؛ رفقًا بالناس وتيسيرًا عليهم اعتبارًا لعمومات الكتاب والسنة القاضية برفع الحرج عن العباد في معاملاتهم.
الثاني: أن جمهور الفقهاء الذين ذهبوا إلى القول ببطلان اشتراط الضمان على المضارب لما أدركوا ما في هذا الرأي من تفويت مصالح معتبرة على الناس لجأوا إلى فتح باب الحيل؛ لتضمين المضارب وغيره ممن يده يد أمانة وتعليم هذه الحيل الفقهية للناس؛ حفاظًا على مصالحهم من الضياع (انظر حماد ص 52 - 53، 55) .
ومن أمثلة ذلك: ما جاء في تبيين الحقائق: وإذا أراد رب المال أن يجعل رأس المال مضمونًا على المضارب أقرضه رأس المال كله، ويشهد عليه ويسلمه إليه، ثم يأخذه منه مضاربة، ثم يدفعه إلى المستقرض يستعين به في العمل، فإذا عمل وربح كان الربح بينهما على الشرط وأخذ رأس المال على