حوارات الانبياء مع أقوامهم وغيرها من الحوارات- إلى الحد الذي جعل السبيل إلى إدراك الذات الالهية هو العقل الانساني، فحرر العقل من سيطرة عقلية الآباء كما قال إبراهيم لقومه: {قالوا وجدنا آباءنا لها عاكفين قال لقد كنتم انتم وأباؤكم في ضلال مبين} . [1] ومن سيطرة الأشخاص وسيطرة أفكارهم السائدة، يقول محمد باقر الصدر في الآية" {وقال فرعون ما علمت لكم من إله غيري قال فرعون ما أريكم إلا ما أرى وما أهديكم إلا إلى سبيل الرشاد} [2] . هنا فرعون يريد أن يضع الناس الذين يعبدونه كلهم في إطار رؤيته وفي إطار نظريته، ويحول هذه النظرة إلى واقع لا يمكن تجاوزه هذا الذي يجعل المجتمع يبني مثلا أعلى مستمدا من الواقع هو التسلط الفرعوني الذي يرى تجاوز هذا المثل الأعلى خطرا عليه وعلى وجوده"، [3] فالقرآن يريد تحرير العقل من سلطة الأشخاص والواقع وأفكاره السائدة لهذا أرسل الله عز وجل موسى وهارون لتحرير فرعون من أفكاره، وتحرير بني إسرائيل من أفكار فرعون ومن سيطرته المادية والمعنوية، وهذا التحرر من الأشخاص نبه إليه القرآن في الحوار مع أهل الكتاب {ولا يتخذ بعضنا بعضا أرباب من دون الله} [4] فلا حوار بدون وجود حرية.
فاعتماد الحجج والأدلة والتقريع للعقول، وهز كيانها حتى تتحرر من كل ما يكبلها عن التفكير وإدراك الحق، دون إكراه حتى من سيطرة الرسل، حيث جعلت مهمتهم في حدود البلاغ، لهذا قال نوح لقومه {أنلزمكموها وأنتم لها كارهون} [5] فدعوة القرآن إلى الحوار هو تحرير الإنسان أولا، واعتراف بحريته ثانيا، في الاعتقاد والتفكير، فهي ضرورة إنسانية، واجبة وفريضة إلهية لصيانة الحياة بل مقدسة. لكن هذه الحرية ليست مطلقة بل لها ضوابط في عملية الحوار وهي كما ذكرها عبد الحميد النجار سنوجزها فيما يلي:
(1) الأنبياء، 54.
(2) القصص 38 - غافر 29.
(3) المدرسة القرآنية، محاضرات لباقر الصدر، دار التعارف للمطبوعات، بيروت، لبنانن ط 2، 1401 هـ/1981 ته
(4) هود، 28.
(5) سورة هود، الآية: 28.