فماذا كان جواب أب إبراهيم عليه السلام؟
لكن هذه الدعوة اللطيفة بأحب الألفاظ وأرقها بعكس ما في كلام أب إبراهيم، لأن قلبه قاسي شديد التصلب في الكفر، فكان ردا من موقع الشعور بسلطة الأبوة التي تضغط على الإبن. فموقع السلطة الأبوية جعلت آزر يهدد إبراهيم بالطرد والهجران لأنه ألف الأوامر وطاعة غيره لها، لا الحوار والكلام. فالعرف المجتمعي جعله يحيد عن محاورة إبراهيم فيما طرحه من عقيدة ودعوة إلى الإيمان الصحيح مقابل اللين بالقسوة، إلا أن إبراهيم ظل مكافحا ومرابطا على الجو العاطفي من موقعه الرسالي، فجعل العاطفة طريقا للرسالة شعورا بالمسؤولية تجاه أبيه. فلم يكل بنفس المكيال وإنما تحمل الأذى وصبر عليه وبقي ملتزما الجو الحميمي"فكان رد الفعل لديه التوجه إلى أبيه بالسلام، والوعد له ولقومه بالدعاء له ولقومه، باعتبار أن أباه يمثل فريق الكفر، بأنه سيعتزلهم وما يعبدون من دون الله ... بعد أن قام بواجبه تجاههم [1] فقال لأبيه وقومه: {سلام عليك سأستغفر لك ربي وأعتزلكم وما تعبدون من دون الله وأدعو ربي عسى الا أكون بدعاء ربي شقيا} . فلم تمل نفسه الإصرار في الحوار، ورد التهديد بل استمر في حوار هادئ مملوء بالحنان والاحترام، بل حتى الاعتزال كان بأدب وصبر حتى في أحلك المواقف وحتى النفس الأخير حريصا على أن يترك أثرا طيبا بكل تواضع وشفقة. إلا أن الملاحظ أن إبراهيم عليه السلام رغم عاطفته الجياشة وحرصه على هداية أبيه لم ينسه أولوية آصرة العقيدة على آصرة القرابة فلم ينجرف إلى مصلحة الأب طالما أنه لم يهتد بناء على قوله تعالى: {وصاحبهما في الدنيا معروفا} . [2] "
النص القرآني: وإذ نادى ربك موسى أن أئت القوم الظالمين قوم فرعون ألا يتقون قال رب إني أخاف أن يكذبون ويضيق صدري ولا ينطق لساني فأرسل إلى هارون ولهم علي ذنب فأخاف أن يقتلون قال كلا فاذهبا بآياتنا إنا معكم مستمعون فأتيا فرعون فقولا إنا رسول رب العالمين أن أرسل معنا بني إسرائيل قال ألم نربك فينا وليدا ولبثت فينا من عمرك سنين وفعلت فعلتك التي فعلت وأنت من الكافرين قال فعلتها إذا وأنا من الضالين ففررت منكم لما خفتكم فوهب لي ربي حكما وجعلني من المرسلين وتلك نعمة بني إسرائيل قال فرعون وما رب العالمين قال رب السماوات والأرض وما بينهما إن كنتم موقنين قال لمن حوله ألا تسمعون قال ربكم
(1) الحوار في القرآن: محمد حسين فضل الله، ص: 253.
(2) سورة لقمان، الآية: 151.