تتمثل في الأمم التي لم يثقف عقولها الإرشاد الديني فغلب عليها الانسياق وراء راعي الهوى واحتلها الغرور يظن الخطأ صوابا ... ، وعدمت الوازع النفساني فلم تعبأ غلا بالصور المحسوسة ولم تهتم إلا باللذات وحب الذات ولا تزن بميزان النقد الصحيح النفوس من النقائص". [1] "
ونجد في آية أخرى هددوه بالرجم {لكن لم تنته يا نوح لتكونن من المرجومين} [2] لكن نوحا لم يجاريهم في هزيمتهم ويسخر منه في حالتهم تلك، لكنه بقي رسولا لا حول له ولا قوة فلم يستعجل العذاب {إنما يأتكم به الله عن شاء وما أنتم بمعجزين} ، ولكنه استمر حريصا كما صرح في البداية {إني أخاف عليكم عذاب يوم أليم} لذلك فهو استمر في استمالتهم لأن الخصومة ليست بينهم وبين نوح كرسول ولكن بين من رسل نوحا هو الله {ولا ينفعكم نصحي عن أردت أن أنصح لكم إن كان الله يريد أن يغويكم وهو ربكم وإليه ترجعون} لكنه يظل في موقف هادئ غير آيس من اهتدائهم فكرر تذكيرهم بالله أنه ربهم لا بد راجعون إليه بكل رفق وهدوء. فهذه روح الحوار المميزة بطول النفس في مجاراة المخالف يقول محمد حسن فضل الله:"يجسد لنا في أسلوب واضح الفرق بين أسلوب الرسل في الدعوة، وبين أسلوب الكفار في الرد، وبين أمامنا -من خلال ذلك- قصة الدعوة والدعاة في كل زمان ومكان، فيما يجب أن يكونوا عليه من الروح الهادئة الواثقة التي تقابل التحدي بالروح التي لا ترد التحدي بالحقد، بل ترده بالحجة القوية في إطار من المحبة والحنان، لنترك للآخرين مجال التراجع من خلال المحبة، إذا لم يتراجعوا من خلال الفكر، لأن المحبة قد تجلب القلب إلى الحقيقة في الوقت الذي يبتعد فيه الفكر عن مواجهة الحق بوضوح". [3]
النص القرآني: وإلى مدين أخاهم شعيبا قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من غيره غيره ولا تنقصوا المكيال والميزان إني أراكم بخير وإني أخاف عليكم عذاب يوم محيط، ويا قوم أوفوا المكيال والميزان بالقسط، ولا تبخسوا الناس أشياءهم ولا تعثوا في الأرض مفسدين بقية الله خير لكم إن كنتم مؤمنين وما أنا عليكم بحفيظ قالوا يا شعيب أصلاتك تأمرك أن نترك ما يعبد آباؤنا أو أن نفعل في أموالنا ما نشاء إنك أنت الحليم الرشيد، قال يا قوم أرأيتم إن كنت على بينة من
(1) تفسير التحرير والتنوير للطاهر بن عاشور، ج: 8، ص: 63.
(2) سورة الشعراء، الآية:116.
(3) الحوار في القرآن: محمد فضل الله، ص: 224 - 225.