ربي ورزقني منه رزقا حسنا وما أريد أن أخالفكم إلى أنهاكم عنه إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب، ويا قوم لا يجرمنكم شقاقي أن يصيبكم مثل ما أصاب قوم نوح أو قوم هود أو قوم صالح وما قوم لوط منكم ببعيد واستغفروا ربكم ثم توبوا إليه إن ربي رحيم ودود قالوا يا شعيب ما نفقه كثيرا مما تقول وإنا لنراك فينا ضعيفا ولولا رهطك لرجمناك وما أنت علينا بعزيز قال يا قوم أرهطي أعز عليكم من الله واتخذتموه وراءكم ظهريا إن ربي بما تعملون محيط ويا قوم اعملوا على مكانتكم إني عامل سوف تعلمون من يأتيه عذاب يخزيه ومن هو من هو كاذب إني معكم رقيب. [1]
في هذا الحوار نكون مع نبي آخر؛ وهو شعيب عليه السلام كرسول إلى قوم مدين وهم طرف- المحاورة الثاني. فإذا اختص نوح بمخاطبة سادة قومه، فإن شعيب عليه السلام يدخل في حوار مع عامة القوم لقوله تعالى {وإلى مدين أخاهم شعيبا} فهذه إشارة قرآنية إلى ما كان من التقارب الاجتماعي لتعبير القرآن بلفظ أخوة، وهذا لا يتحقق بين القوي والضعيف وبين السيد وغيره، ويؤكد هذا أسلوب المحاورة إذا قارناه مع قوم نوح حيث لا يوجد في أسلوبهم نوع من المفاضلة والتعالي والسمو عن باقي الناس ثم خلو الحوار من نزعة التحدي التي تحدى بها سادة قوم نوح فلم يقولوا: {فأتنا بما تعدنا إن كنت من الصادقين} .
فشعيب في هذا الحوار كان كفؤا لمحاوره من الناحية الاجتماعية لذلك قالوا {ولولا رهطك لرجمناك} وتدور المحاورة بين شعيب وقومه حول موضوع لا ينصب على التوحيد والعقيدة وإن كان يتضمن الحوار جزءا منهما وإنما تهم قضية الإصلاح للسلوك الاقتصادي وبذلك فهو يجمع بين العقيدة والسلوك أو المعاملات لأن قوم شعيب كما يبدو كانوا فاسدي العقيدة والسلوك فكان حواره يروم منه إصلاح الانحرافين قائلا: {إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت} فهو إصلاح للفكر وإصلاح للأفعال في الأرض فهما لا ينفصلان فكل واحد منهما مرآة للآخر.
وشعيب هو الآخر استهل حواره بما يستميل به مشاعر قومه فخطابه {يا قوم} ويمكن عرض خطاب شعيب وتفكيكه إلى العناصر التالية:
1 -استهلال لشد الأذهان واستمالوا النفوس {يا قوم} .
2 -طرح قضية الحوار وتفريعها إلى موضوعين أولهما توحيد وعبادة الله {اعبدوا الله ما لكم من إله غيره} ، والثاني؛ إصلاح اقتصادي اجتماعي حيث ينهاهم عن الاستغلال
(1) سورة هود، الآيات:84 - 93.