الصفحة 9 من 45

الاقتصادي والفساد الاجتماعي"فهو طلب منهم ألا ينقصوا المكيال والميزان أن يلجأ بعضهم إلى المراوغة والتضليل في تأويل هذا الطلب، فيقول أنا لن أنقص المكيال والميزان، بل سأزيد فيهما، وذلك حين تكون الزيادة لمصلحته، بأن يكون هذا التاجر هو الشاري، ويكيل من سلعة البائع أو نحو ذلك ممن وصفهم القرآن الكريم في موضع آخر بأنهم: [1] {الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون، وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون} ، [2] فالقضية قضية أخلاق وأمانة وربح مادي وتعلق النفس بالمال ورغبتها في المتاع العاجل. فحتى يصل شعيب لتنفيرهم من الفساد المستشري في مجتمع القوم"سلك في نهيهم عن الفساد مسلك التدرج فابتدأه بنهيهم عن نوع من الفساد فاش فيهم وهو التطفيف. ثم ارتقى فنهاهم عن جنس ذلك النوع وهو أكل أموال الناس. ثم ارتقى فنهاهم عن الجنس الأعلى للفساد الشامل لجميع أنواع المفاسد وهو الإفساد في الأرض كله. وهذا من أساليب الحكمة في تهيئة النفوس بقبول الإرشاد والكمال". [3] "

3 -فهو وإن كان أسلوبه قويا فإنه لا يخلو من وداعة ولين، فهو يعود إلى طلبهم بما يريح نفوسهم ليتقبلوا طلبه يقول: {ولا تنقصوا المكيال والميزان إني أراكم بخير} ، فعلل النهي بأسلوب ودي فيه نوع منن المديح، أن غناهم وثروتهم تجعاهم في غنى عن الغصب في الأخذ والعطاء فهو نصحهم فقال {بقية الله خير لكم إن كنتم مؤمنين} أي إنه إن تجتنبوا الكسب الحرام الذي يؤدي إلى الاقتتال وتفرق الناس، أي إبقاء الله عليكم من الاقتتال خير لكم من الأعراض العاجلة السيئة العاقبة.

4 -يحاول شعيبا طارقا كل ما من شأنه، التأثير في نفوسهم فارتقى في تعليل النهي مشفقا عليهم، ومنذرا ومهددا لهم {إني أخاف عليكم عذاب يوم محيط} ، رحمة بهم وشدة، جامعا بين الأمرين.

5 -أن شعيبا لا يتبرم من كثرة حرصه على استمالتهم، حيث ظل يقف موقف الناصح المشفق، ولا يقف موقف المتسلط المستعلي وذلك حتى يدفعهم للتقرب إليه لا النفور منه، ظنا منه أن يريد غرضا شخصيا؛ كأن يصير سيدا وحاكما عليهم، بل يضعهم أمام تبعات الأمر الواقع بود {وما أنا عليكم بحفيظ} .

فماذا كان جواب قومه؟

(1) أسلوب المحاورة في القرآن: عبد الحليم حنفي، الهيئة المصرية العامة للكتاب، الطبعة الثانية، 1485، ص: 90.

(2) سورة المطففين، الآيات:2 - 3.

(3) تفسير التحرير والتنوير: طاهر بن عاشور، ج: 10، ص: 138.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت