الصفحة 10 من 45

كما سبق أن قوم شعيب كانوا من عامة الناس وليسوا من عقلية السادة، لهذا فأسلوب في حوار شعيب كان مؤطرا بفكر الطبقة العامة، فلم يلجأوا إلى الحجاج العقلي كما هو شان نوح، بل مردوا على الانحراف والفساد واعتمدوا على التهكم والسخرية وهو دين من تنقصه المعرفة، فلا مخرج له إلا السخرية بعيدا عن مسلك العقلاء حيث نسبوا إلى الصلوالت ما أمرهم به والصلاة لا يصدر منها قول ولا فعل، كأنهم يريدون القول لشعيب أن ما قلته لا ينبغي أن يصير عن عاقل، فمن الذي أصدره إليك هل صلاتك؟ بل سخروا منه أيضا إنك أنت {الحليم الرشيد} فهم يريدون عكس ذلك، يريدون أن يقولوا له تفكيرك سفيه وسلوكك في غاية الضلال؛ كأن يقال لبخيل ما هذا الجود؟ لأنه يربط بين الصلاة والتعامل في التجارة.

فعجز عقولهم عن التفكير ومواجهة المطروح بجدية دفعهم إلى السخرية من شعيب، فكانت ردودهم أشبه بشتائم في شكل سخرية، بل ألغوا عقولهم واستدعوا آباءهم يحاورون بدلا عن استخدام عقولهم للحوار مع شعيب في موضوع الإصلاح الاقتصادي والاجتماعي الذي تحاشوا الحوار فيه.

فكيف كان موقف شعيب عليه السلام من هذا الرد؟

يتلطف شعيب عليه السلام تلطف الأنبياء وأصحاب الدعوات، بحيث تجاهل ما وجه إلى شخصه من إساءة؛ لأنه لا ينتصر للدعوة التي يكرس جهده لإنجاحها لا الانتصار لشخصه، يقول سيد قطب:"يتلطف في إشعارهم انه على بينة من ربه كما يجده في ضميره وقلبه، وأنه على ثقة مما يقول لأنه أوتي من العلم ما لم يؤتوا، وأنه إذ يدعوهم إلى الأمانة في المعاملة، سيتأثر مثلهم بنتائجها لأنه مثلهم ذو مال وذو معاملات، فهو لا يبغي كسبا شخصيا من وراء دعوتهم، فلن ينهاهم عن شيء يفعله هو لتخلو له السوق! إنما هي دعوة الإصلاح العامة لهم وله وللناس. وليس فيما يدعوهم إليه خسارة عليهم". [1] فكان رد شعيب في شكل نقط نوجزها فيما يلي:

1 -يدعوهم إلى استخدام عقولهم التي ألغوها بتقليد الآباء، انطلاقا من تمثله بثقته بمهمة النبوة والتي لا يسع صاحبها إلا الإصلاح وهنا لطيفة أشار إليها الطاهر بن عاشور أنه عبر عن النبوة بالرزق على شاكلة قولهم {أو نعمل في أموالنا ما نشاء} لأن الأموال أرزاق لأنه أجابهم: {أرأيتم إن كنت على بينة من ربي ورزقني منه رزقا حسنا} .

(1) في ظلال القرآن، سيد قطب، مج: 4، ص: 1920.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت