الصفحة 6 من 45

رغبتكم لكنه يورد سبب عدم إمكانية طرد هؤلاء المؤمنين لكن من يحميني من عقاب الله هل تستطيعون حمايتي من عذاب الله، هل قوتكم المادية ومستواهم الاجتماعي يقف أمام قوة الله في العقاب أفلا تذكرون. أما قولهم {ما نرى لكم علينا من فضل} ليجيب عليهم من نفس تصورهم للفضل، فهم يتصورون أن الفضل لا بد أن يكون شيئا محسوسا محددا، سواء أكان ماديا كالمال، أو روحيا كعلم الغيب، أم بالخروج عن طبيعة البشر إلى طبيعة آخر كالملكية فيقول لهم عن الفضل بهذه الصورة يعد تصورا خاطئا لكن يبين لهم أن الأفضلية إنما هو في النفوس وما تتميز به من فضائل {الله أعلم بما في أنفسهم} فهو رد على حججهم واحدة بطريقة لينة"حكى جوابا على تلك الشبهات؛ لأنه لو كان ملكا لكان ذلك خارقا فوق قوة البشر، لذلك من حق الرسول الواعي أن يحتج ويدافع عن نفسه بالأدلة: قال إن حصول المساواة في البشرية لا ينفي حصول المفارقة في صفة النبوة والرسالة. وذكر دليلا {أرأيتم إن كنت على بينة من ربي} ... إن الدعوة لا يتفارق فيها الأغنياء وإنما أجر الطاعة على الله رب العالمين لأنه خائف من مخاصمتهم له يوم القيامة إن العمى عن المعرفة والجهل يدفع بالملل والأعراض عن الحوار". [1]

فيلاحظ أن نوح خاطبهم بتواضع ولين، حيث حرص على وتحاشى كل ما يؤدي إلى تنفيرهم بالمزايدة في الحوار ويحرص على ربطهم بموضع الإيمان قائلا من {ينصرني من الله} .

فاستطاع نوح من موقع الإيمان القوي، والحجة البالغة، والقدرة الإقناع، أن يترك سادة قومه مكتوفي الأيدي بحيث أدلوا بكل ما لديهم من حجج وأبطلها كلها، فلم يبق أمامهم إلا أن يعترفوا به ويصدقوا ما يدعو إليه أو يأتوا بحجة أخرى.

فلما لم يبق أمامهم أي حجة جديدة لجأوا إلى العناد وامتطاء صهوة التحدي، مصرين على المضي في الباطل كأنهم يقولون: مع عجزنا عن مجاراتك في الحوار فما زلنا غير موقنين بما تقول، فإن كنت صادقا فانزل بنا العذاب الذي تتوعدنا به: {قالوا يا نوحن قد جادلتنا فأكثرت جدالنا فأتنا بما تعدنا إن كنت نمن الصادقين} . فإنهم لما"سأموا من قوارع جدله حتى دمغتهم الحجة فأرادوا طي المحاورة لكنه أراد أن يترك بصمات أخيرة إن جداله لنفعهم وصلاحهم حيث كرهوا ما فيه نفع لهم. فهذه صورة واضحة من تفكير أهل العقول السخيفة التي زان عليها الضلال فقلب أفكارها إلى اعوجاج فظيع وهي التي"

(1) مفاتيح الغيب، الرازي، ج: 9، ص: 225 - 226.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت