الصفحة 5 من 45

الصدق والخطأ؛ في المركز الاجتماعي. فنفوس السادة ترفض أن تكون متساوية مع عامة الناس حفاظا على مكانتها.

رابعها: {ما نرى لكم علينا من فضل} لأنهم إن كانوا يحتضنون رسالة سماوية ومنزلة من عند الله وثوابه عنده، يقتضي أن يكون لكم فضل يميزكم إن كنتم صادقين في دعواكم فأنتم في مرتبة دوننا فضلا عن أن تتساووا معنا. [1]

هكذا يتبين أن طرف المحاورة مع نوح كان لا يستهان به، وهذا يتبين من الحجج التي أجابوا بها نوح عليه السلام حيث رتبوها في شكل خصومة منطقية بقولهم"نرى"فهي تدل على قوة في الحجاج حيث سدوا جميع المنافذ على نوح وأتباعه ختما بالشك في الرسالة لقولهم بل نظنهم كاذبين أي نتيجه الاحتمال السابق تسقط صحة رسالة نوح لأنه كما يقول علماء المنطق والأصول، الدليل متى تطرق إليه الاحتمال سقط بالاستدلال.

بدأ نوح الحوار من المنطلق الفكري الذي أثاره قومه والذي حال بينهم وبين مضمون الرسالة، حريصا على إيجاد ما يؤلف بينه وبينهم متجاهلا إساءاتهم له ولأتباعه لأن هدفه هو نجاح دعوته الإيمانية، وليس الإنتصار لنوازعه الذاتية؛ لأن هدفه هو نجاح الدعوة. لهذا يعيد رابطة قوله {يا قوم} ليقرب المحاور منه وليزرع لديه الثقة بمحاوره، فيبدأ بطرح الأسئلة عليهم لإثارة وشد انتباههم، ودفعهم إلى التفكير، يقول {يا قوم أريتم إن كنت على بينة من ربي وأتاني من عنده فعميت عليكم أنلزمكموها وأنتم لها كارهون} فهذا غاية الرفق بمشاعرهم والحرص على ألفتهم فكأنه، يقول لهم إن النبوة والرسالة:"لا تعيش ضمن الإطار الذي وصفوها فيه بل في نطاق البينة التي تشهد لها والحجة التي تؤكدها وليس عليهم إلا أن ينفتحوا على ذلك ليعرفوا ما فيها من صدق وكذب"؛ [2] لأنهم حجبوا معرفة ذلك بحائل التهم التي وجهوها لنوح وقومه الذين آمنوا به يعطيهم دليلا واقعيا على أنه إن لم يكن نبيا، ويطلب مصلحة ذاتية فأين المقابل؟ فهو لم يطلب منهم مالا مقابل دعوته، معيدا ما يقربهم منهم: {ويا قوم لا أسألكم عليه مالا إن أجري على الله} .

ثم يرد على حججهم ملبسا قوله دائما بلباس اللين والرفق يقول: {وما أنا بطارد الذين آمنوا إنهم ملاقوا ربهم ولكني أراكم قوما تجهلون} ، جوابا على نفورهم من أتباعه الضعاف الأراذل في نظرهم بإشارات وإيحاءات، كأنه يريد أن يقول لهم: كان بودي تلبية

(1) ذكر رشيد رضا في تفسيره لقصة نوح أنهم أجابوه بأربع حجج داحضة، ج: 12، ص: 60، وقال الرازي ثلاث شبه: شبهة أولى: انه بشر مثلهم، الشبهة الثانية: اتبعه أراذل القوم، الشبهة الثالثة: ما نرى لكم علينا من فضل، مفاتيح الغيب: الرازي، ج: 9، ص: 225.

(2) الحوار في القرآن: محمد حسين فضل الله، ص: 222.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت