لهم". [1] ليحدد هدفه وصلب الموضوع بأسلوب بسيط بعيد عن الخيال والمجاز، وكل ما يجعل الذهن ينسحب إلى غير المعنى المطروح، قال: {ألا تعبدوا إلا الله} ليظل المعنى واضحا بارزا يلقطع عن العقول كل تأويل بعيد وانتقل ليخاطب وجدانهم {إني أخاف عليهكم} فهذه محبة لهم من أن يسلكوا طريق الهلاك بعيدا عن الكراهية والحقد والتشفي، ثم ليفهم بعدهم عن الإعراض عن مضمون الرسالة، وحتى يملأ نفوسهم حذرا ورهبة من العصيان والنفور يقول رشيد رضا:"قسم نوح أنه رسول رب العالمين وظيفته الإنذار قائلا لهم إني لكم نذير وهو الإعلام بالشيء مع بيان عاقبة من خالفه ثم محذرا إياهم من نتيجة حالهم التي هم عليها". [2] "
وعارض الخصم أو الطرف المحاور لنوح، هم الملأ أي السادة والقادة من قومه، وهي الطبقة المترفة في المجتمع (قوم نوح) . فخطاب نوح كان موجها لخاصة القوم، لهذا فالخطاب العقائدي ينبغي أن يكون رفيعا بالنسبة لعصره، والممارسة له تكون مفهومة لدى المستوى الأدنى."نستنتج (أيضا) من قصة نوح أنه في العصور القديمة كان التمايز العلمي والثقافي حكرا على الملأ لأنهم كانوا لا يعملون بل متفرغين وهناك الغوغاء بادي الرأي فهذا الوضع أدى بشكل طبيعي إلى تقدم المعارف العلمية والأدبية عند الملأ. [3] "
فالملأ نقلوا الحوار ليسير وفق خطهم الفكري، الذين وصفوا بالكفر لأنه مدعاة للخصومة فهم احتجوا على نوح -أي السادة الكفار- بأربع حجج:
أولها: {ما نراك إلا بشرا مثلنا} . فإن لسان حالهم يقول لنوح ما دامت الرسالة من عند الله كما تدعي فنحن أولى بها بها، لأننا نتميز بأننا سادة ووجهاء في الناس، ولكننا لم ندع هذه الرسالة فأولى ألا تدعيها أنت. فاعترافهم فيه نوع من اعتماد العقل ولم يكن ساذجا مطلقا.
ثانيها: أنهم لم يعارضوه في مضمون الرسالة، ولكن في أصلها وأساسها وهذا أخطر فهم، يكذبون رسالة نوح من أصلها فلم يجادلوه في تصديقهم بوحدانية الله أو عدم تصديقهم.
ثالثها: أن أتباعه أراذل القول، فهم حكموا المستوى الاجتماعي والعرف الاجتماعي على أن وجوه القوم وسادته هم الذين يكون لهم رأي، فجعلوا معيار التصديق والرفض أو
(1) تفسير التحرير والتنوير للطاهر بن عاشور، ج: 10، ص: 238.
(2) تفسير المنار، لرشيد رضا، ج: 12، ص: 72.
(3) الكتاب والقرآن قراءة معاصرة: محمد شحرور، شركة المطبوعات للنشر والتوزيع، بيروت، الطبعة السابعة، 2004، ص: 679.