الصفحة 13 من 45

جعله يعرف الحق، وهذا العلم لم يعرفه أبوه فهو يتوفر على شرط العلم لما يدعو له وأحسن تقنية الحوار؛ حيث توسل في دعوة أبيه بالعلم الذي يحمله، فهو أدب في الحوار من جهة وتحفيز للمحاور من أجل الاستجابة والإذعان للحق. ثم انتقل إلى تنبيهه على أن ما فيه هو من وساوس الشيطان لكي يدعوه إلى الطريق السوي وان ما عليه هو منهج ضال، ثم يرتقي في التركيز في شفقة الإبن على أبيه في تسلسل متدرج أن من يعبد الأصنام يعبد الشيطان وبالتالي كان ضالا عاصيا ونتيجة ذلك حرمان رحمة الله تعالى لأنه عصاه بعبادة الأصنام وبالتالي يستحق العذاب والعقاب، لأنه صار من أولياء الشيطان، دون خروج عن جو الأسرة المليء محبة واحتراما، فهو عبر بالخوف {يا أبت إني أخاف أن يمسك عذاب من الشيطان فتكون للرحمن وليا} . حتى يبقى رجاء لدى أبيه ليتخلص من العذاب بالإقلاع عن عبادة الأوثان، قال الألوسي:"تعليل لموجب النهي وتأكيد له ... ولا ريب أن المطيع للعاصي عاص وكل من هو عاص حقيق بان تسترد منه النعم وينتقم من تحذير من سوء عاقبة ما هو فيه من عبادة الأصنام ... والخوف، توقع المكروه قال الراغب؛ توقع المكروه عن أمارة مظنونة أو معلومة، فهو غير مقطوع فيه بما يخاف ومن هنا قيل إن في اختياره مجاملة." [1]

فإبراهيم عليه السلام أحسن طرح الموضوع؛ لسلوكه طريقا استدلاليا ومنهاجا واضحا وأسلوبا لطيفا رقيقا، حيث كرر"يا أبتي"أربع مرات ليكون أكثر تحبيبا له في الموعظة، وقبول النصح، فهو نبه إلى ما يدل على منع عبادة الأصنام، ثم أمره بإتباعه في النظر والاستدلال وترك التقليد، ثم بين أن مغبة حاله ونتيجتها التي يشفق عليه منها فبشره ورغبه وحرص على هدايته إليه إلى طريق الحق والصواب، يقول الرازي:"وختم إني أخاف لتعلق قلبك بمصالحه وذلك:"

1 -قضاء حق الأبوة والإرشاد إلى الدين العظيم من أعظم أنواع الإحسان.

2 -إن الهادي إلى الحق لا بد أن يكون رفيقا لطيفا لا يورد الكلام على سبيل العنف.

3 -إنه قال عليه السلام أوحى إلى إبرهيم عليه السلام إنك خليلي فحسن خلقك ولد مع الكفار تدخل مداخل الأبرار، فإن كلمتي سبقت لمن حسن خلقه أن أظله تحت عرشي وأدنيه من جواري". [2] "

(1) روح المعاني: الأولوسي، ص: 103.

(2) مفاتيح الغيب: الرازي، ج: 11، ص: 228.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت