عذاب من الرحمن فتكون للشيطان وليا قال أراغب أنت عن آلهتي يا إبراهيم لئن لم تنته لأرجمنك واهجرني مليا قال سلام عليك سأستغفر لك ربي إنه كان بي حفيا وأعتزلكم وما تدعون من دون الله وادعو ربي عسى ألا أكون بدعاء ربي شقيا. [1]
اتخذ الحوار عند إبراهيم ألوانا مختلفة تتناسب مع الجو السائد، وفي كل حوار يضعنا أمام أساليب متعددة ومناهج متباينة، ففي حواره مع أبيه تراه باحثا عما يركز الإيمان في القلب، فطرفا المحاورة إذن إبراهيم عليه السلام مع أبيه حول قضية إيمانية. فهذا الحوار يندرج ضمن المجال العقدي، فهنا نواجه حوارا صعبا، يقف فيه الإبن الذي هداه الله في طرف، والأب المشرك في طرف آخر، فقد كان آزر يعبد الأصنام وينحتها ويبيعها فهو داعية آثم ومبعث فتنة، وقد رأى إلى إبراهيم أن أولوياته في الدعوة إلى الله أن يبدأ بدعوة أبيه. لأن بقاءه على الكفر يترك نقطة ضعف في موقعه وقد يخلق له مصاعب داخلية توصل بعض خطواته أو تجلب له مشاكل غير منتظرة.
هكذا يبدأ إبراهيم الحوار بفكرة بسيطة واضحة لا لبس فيها في جو حميم يبدأ بذكر الرابط الذي بينهما، وهي الأبوة التي تربطهما كطرفين متحاورين، ثم يبدأ بخطاب فيه لين وأدب جميل كأنهما في همس بين صريحين حميمين ليستثير عاطفة الأبوة لديه ويحرك شغاف قلبه، فيبدأ بالسؤال الذي يشد انتباه أبيه لقوله، ثم يطرح الموضوع؛ وهو العبادة: {يا أبت لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئا} ، يقول الطاهر بن عاشور:"... فتوجه إلى أبيه بخطابه بوصف الأبوة إيماء إلى أنه مخلص له في النصيحة، وألقى إليه حجة فساد عبادته وعمله المخطئ، في صورة استفهام عن سبب عبادته وعمله المخطئ، منبها على خطئه عندما يتأمل في عمله، فإنه إن سمع ذلك وحاول بيان سبب عبادة أصنامه فلم يجد لنفسه مقالا، ففطن بخطأ رأيه وسفاهة علمه، فإنه لو عبد حيا مميزا لكانت له شبهة ما. وابتدأ بالحجة الراجحة أن الحس إذ قال له لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر فذلك حجة محسوسة ثم أتبعها بقوله ولا يغني عنك شيئا". [2]
فهو أعطاه دليلا حسيا على سوء وبطلان عبادته بأسلوب يجعله يصغي لقوله في مجتمع يقيم للأبوة مكانة، ويضع لها قداسة، لذلك جاءت كلماته حذرة ومنتقاة لكي لا يستصغر أبوه شانه ويرفض خطابه، ثم يعاود قوله في شكل مناداة يا أبت تذكيرا له برابطة الأبوة، ثم استحضار ذهنه لتلقي ما يقال فيحاول تسويغ دعوته لأبيه بأن الله قد منحه علما علويا
(1) سورة مريم، الآية:40 - 48.
(2) تفسير التحرير والتنوير: ابن عاشور، ج: 10، ص: 1140.