ورب آبائكم الأولين قال إن رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون قال رب المشرق والمغرب وما بينهما إن كنتم تعقلون قال لئن اتخذت إلها غيري لأجعلنك من المسجونين قال أو لو جئتك بشيء مبين قال فأت به إن كنت من الصادقين فألقى عصاه فإذا هي ثعبان مبين ونزع يده فإذا هي بيضاء للناظرين قال للملأ حوله إن هذا لساحر عليم يريد أن يخرجكم من أرضكم بسحره فماذا تأمرون. [1]
فقصة موسى من أطول ومن أكثر السور التي شغلت مساحات شاسعة داخل السور القرآنية، إما في محاورة موسى مع قومه، أو مع فرعون خاصة في السور المكية المطولة: طه، الشعراء، النمل، القصص، يونس، هود، المؤمنون، لهذا قد نور بعض الآيات الواردة في سور أخرى للاستشهاد في التحليل لأن الآيات أعلاه نص للانطلاق. وقصة موسى لم ترد كلها في سورة واحدة وإنما وردت في شكل مقاطع حوارية حسب مع ما يناسب من كل سورة وليس تكرار للقصة لتنوع المشاهد وطرق عرضها.
1 -قبل أن يدخل موسى في الحوار مع فرعون نجد في هذا الحوار الذي بين أيدينا وفي باقي الحوارات الأخرى، أن الحوار يرشدنا إلى الاستعداد التام ماديا ومعنويا قبل الإقبال على أي حوار، خاصة مع قوة الطغيان والكفر، لأن قوتهم بها لا يستهان بها، من وضوح الفكرة وقوة الإقناع وبلاغة اللسان، والكلمة الواثقة المشحونة ذكاء وفطنة، حتى تجوب الحوار بسلام، وتصل إلى الهدف ولا يقف في نصف الطريق. ففي سور ة طه نجد هذا الاستعداد في قولنا تعالى: {اذهب أنت وأخوك بآياتي ولا تنيا في ذكري اذهبا إلى فرعون إنه طغى فقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى قالا ربنا إننا نخاف أن يفرط علينا أو يطغى قال لا تخافا إنني معكما أسمع وأرى} ، [2] فالتزود للاستعداد للحوار مع فرعون كان الكلمة القوية الهائلة، من موقع المحبة التي تهز أعماقه ثم القوة الإلهية القادرة التي تحطم قوته في نهاية المطاف، يقول محمد حسين فضل الله:"كان الخط الذي رسمه الله لأسلوبهما في الدعوة، هو الخط الذي يضع الكلمة في إطار المحبة بالأسلوب الهادئ، والقول اللين ... -لأن الهدف -من ذلك- هو أن تفتح الرسالة قلبه على دعوة الحق، فتذكره بالله من خلال نعم الله وآياته، وتخوفه من عذاب الله ... ولكن الله يطلب منهما أن لا يخافا، لأنهما"
(1) سورة الشعراء، الآيات: 26 - 34.
(2) سورة طه، الآية: 44.