إذً فهناك المرة الثانية وهى التي أشار إليها قوله تعالى (( إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لأَِنفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا فَإِذَا جَاء وَعْدُ الآخِرَةِ لِيَسُوؤُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا ) )الإسراء-7 ... فهل جاء وعد الآخرة، أي المرة الثانية، و إذا لم يكن قد جاء فمتى يجيء؟ و الجواب كما حدده الأستاذ عبد الكريم الخطيب (فالآيتان تتحدثان عن المستقبل الذي يدل عليه الشرط"إذا"وهذا يعني أن المرتين على سواء في تعليقهما بالمستقبل ... ) .
(وعند النظر في الآيتين الكريمتين نجد أن النظم القرآني قد خالف بينهما فجعل ما وقع منهما عند نزول القرآن معبرًا عنه بلفظ الماضي(بعثنا، جاسوا) على حين جعل المرة التي لم تقع بلفظ المستقبل (لِيَسُوؤُوا وُجُوهَكُمْ، وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ، وَلِيُتَبِّرُوا) , ولو تساوت المرتان في الوقوع أو عدم الوقوع عند نزول القرآن لم يكن لاختلاف النظم فيهما سبب ظاهر وهذا أبعد ما يكون عن بلاغة القرآن الكريم وإعجازه .. وثانيًا إذا تقرر أن المرة الثانية لم تجئ حتى نزول القرآن الكريم، فهل وقعت بعد هذا أم أنها لا تزال معلقة بالمستقبل لم تقع بعد؟.
ويستطرد الأستاذ عبد الكريم الخطيب بقوله (والقرآن الكريم هو دليلنا في الإجابة على هذا السؤال ففي قوله تعالى(( وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا ) )، في هذه الآية نجد حديثا ًعن المسجد، والمسجد كما هو معروف معلم من معالم الإسلام وسمة من سمات بيوت الله التي يتعبد المسلمون فيها.
ولهذا فلقد كان الاسم الذي يعرف به المسجد الأقصى هو بيت المقدس حتى إذا أسرى الله سبحانه وتعالى بالنبي الكريم إليه أسماه الله ـ سبحانه وتعالى ـ المسجد الأقصى وجعله بهذا الاسم القبلة الأولى للمسلمين كما جعله بهذه التسمية مسجدًا لهم يعبدون الله فيه ... فذكر بيت المقدس باسم المسجد يشير إشارة واضحة إلى أنّ المرة الثانية التي يقع فيها من بني إسرائيل هذا الإفساد إنّما تكون في العهد الإسلامي، وفي الوقت الذي يكون فيه بيت المقدس مسجدًا للمسلمين على خلاف ما كان عليه من قبل حيث لم تشر الآية الأولى إلى المسجد من بعيد أو قريب، بل جاءت الآية هكذا (( فَجَاسُوا خِلاَلَ الدِّيَارِ