النفس مصدر أساسي للسلوك الإنساني، وهي - في ضوء طاقتها - المسئولة عن تحديده، أن السلوك تتحكم فيه الملكات العقلية، التفكير والإدارة والتعلم والانتباه والتذكر والتحليل، وكذا الانفعالات الوجدانية كالإحساس باللذة أو الألم أو الفرح أو الحزن أو الخوف أو الغضب، وما يرغب به أو ينفر منه.
والقرآن الكريم يشير الى أن النفس مستودع الكثير من الدوافع السلوكية والإنسان مسئول عن جميع سلوكاته، قال تعالى:"يوم تأتي كل نفس تجادل عن نفسها" (النحل: 111) ، أي بما كسبت من أعمال إذ هي المسئولة، فهي لا غيرها التي تجادل عما عملت، قال تعالى:"كل نفس بما كسبت رهينة" (المدثر: 38) ، فالنفس تكسب عملها بمحض حريتها واختيارها، وإرادتها، إذ أنها رهينة عملها الذي سيحاسبها به الله عز وجل.
والمتأمل بالآيات القرآنية الكريمة يجد أن النفس الإنسانية قد اتصفت بالخصائص التالية:
الخاصية الأولى: النفس مفطورة على معرفة الله:
وهي ما تسمى بالشعور الديني الفطري في الإنسان، قال تعالى:"وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين * أو تقولوا إنما أشرك آباؤنا من قبل وكنا ذرية من بعدهم أفتهلكنا بما فعل المبطلون" (الأعراف: 172 - 173) .
الخاصية الثانية: التقلب والتطرف والخروج عن حد الاعتدال:
لقد أوضح الله تعالى أن الإنسان شديد الانفعال، متطرف العواطف، ما لم يرجع الى نهج الله سبحانه، لأن الإيمان بالله، والعمل على نهجه، هو السبيل الذي يعيد الإنسان الى حالة من التوازن، والاعتدال، يصبح سلوكه معها بعيدا عن التعصب والتطرف.
إن الإنسان بحكم طبيعته البشرية اذا أحب شيئا، أقبل عليه بكليته، وإذا كره شيئا، ابتعد عنه بكليته، ولذا يريد الله أن نلزم جانب الاعتدال في حبنا، وفي بغضنا، وفي مأكلنا وفي مشربنا وفي أي عمل نقوم به. (عدس،1985، ص 95) .
قال تعالى:"فلا تميل كل الميل فتذروها كالمعلقة" (النساء: 129) ، وأن الانسياق وراء العواطف لا يجدي نفعا، ولا يحل لنا مشكله حتى ولو قتلنا أنفسنا حنقا وغيظا.
قال تعالى:"من كان يظن أن لن ينصره الله في الدنيا والآخرة فليمدد بسبب الى السماء ثم ليقطع فلينظر هل يذهبن كيده ما يغيض"... (الحج: 15) ، وكذلك الحال عندما يصيبنا الفرح والسرور فقد يخرج الحال بنا عن حد الاعتدال الى حال الإعجاب بالنفس، والفخار بها والتباهي على الغير، قال تعالى:"إن الله لا يحب كل مختال فخور" (لقمان: 8)
وقد طلب الله منا سبحانه وتعالى أن نكظم غيظنا ونسيطر عليه ونتسامح مع من أساء إلينا ونعفو عنه، قال تعالى:"والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين" (آل عمران: 134) .